لحظة فارقة قبل التصعيد.. كيف تحرّكت مصر بين واشنطن وطهران لتفادي انفجار إقليمي؟
حين تضيق الجغرافيا بثقل الصراعات، وتختبر السياسة حدود العقل قبل حدود القوة، تصبح الكلمات أحيانًا أكثر تأثيرًا من الجيوش، والمكالمات أكثر حسمًا من البيانات.
ففي عالمٍ تتشابك فيه المصالح وتتصادم فيه الإرادات، لا يُقاس السلام بعدد الاتفاقات الموقَّعة، بل بقدرة الحكماء على إيقاف اللحظة قبل انفجارها، وعلى إعادة توجيه البوصلة من منطق الصدام إلى أفق الحوار.
وفي لحظة إقليمية مشحونة بالتوترات، وفي ظل تصاعد المخاوف من انزلاق الشرق الأوسط إلى موجة جديدة من عدم الاستقرار، تلقّى الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس جمهورية مصر العربية، اتصالًا هاتفيًا من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، في خطوة عكست ثقل القاهرة السياسي ودورها المتوازن في إدارة الأزمات الإقليمية المعقّدة.
مكالمة تتجاوز المجاملة الدبلوماسية
ووفقًا لما صرّح به السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، فإن الاتصال لم يكن بروتوكوليًا، بل تناول بعمق تطوّرات الملف النووي الإيراني، الذي عاد مجددًا إلى واجهة المشهد الدولي، وسط تصعيد سياسي وإعلامي متسارع، وتحذيرات متزايدة من سيناريوهات المواجهة.
وخلال الاتصال، أعرب الرئيس السيسي عن بالغ قلق مصر إزاء تصاعد التوتر في المنطقة، مؤكدًا رفض القاهرة القاطع لأي حلول عسكرية، ومشدّدًا على أن الدبلوماسية والحوار السياسي يظلان السبيل الوحيد والأمثل لتسوية الأزمة، بما يجنّب الشرق الأوسط مخاطر الفوضى والصدام المفتوح.
القاهرة جسر الحوار بين الخصوم
الرئيس السيسي شدّد على استمرار مصر في بذل جهودها الحثيثة لإعادة الولايات المتحدة وإيران إلى طاولة المفاوضات، بهدف التوصّل إلى تسوية سلمية وشاملة للملف النووي الإيراني، بما يعزّز الاستقرار الإقليمي والدولي.

وهو الدور الذي أكّد الرئيس المصري أهميته خلال لقائه السابق بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب على هامش منتدى دافوس، حيث لمس – بحسب البيان – إدراكًا أمريكيًا لأهمية استقرار المنطقة وضرورة تجنّب التصعيد.
وفي هذا السياق، أكّد الرئيس السيسي تطلّع مصر إلى إعلاء الأطراف المعنية لقيمة الحوار، وتغليب منطق السياسة على منطق القوة، دعمًا لسلام مستدام يراعي مصالح جميع الأطراف.
تقدير إيراني للدور المصري
من جانبه، أعرب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عن شكره وتقديره للدور الإيجابي الذي تضطلع به مصر في احتواء التوترات الإقليمية، مؤكدًا حرص طهران على تعزيز التشاور والتنسيق السياسي مع القاهرة، باعتبارها طرفًا إقليميًا قادرًا على لعب دور الوسيط النزيه.
تفاوض محتمل رغم الضجيج
بالتزامن مع الاتصال، أعلن علي لاريجاني، الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، حسب "رويترز"، أن بلاده تعمل على وضع إطار للمفاوضات مع الولايات المتحدة، في إشارة لافتة إلى إمكانية كسر الجمود السياسي، رغم الأجواء المشحونة إعلاميًا.
وكتب لاريجاني عبر منصة "إكس" أن ما يجري خلف الكواليس يختلف عن صورة "الحرب الإعلامية المصطنعة"، دون الكشف عن تفاصيل إضافية، ما عزّز من أهمية التحركات المصرية كعنصر توازن وتهدئة.

تحرّك دبلوماسي مصري واسع
لم يقتصر الدور المصري على الاتصال الرئاسي، إذ كثّف وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالاته مع عدد من الفاعلين الإقليميين والدوليين، شملت وزراء خارجية إيران وقطر وتركيا وسلطنة عمان، إلى جانب المبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط، في محاولة لاحتواء التصعيد وفتح مسارات تفاوضية.
وأكد عبد العاطي أن المنطقة لا تحتمل حلولًا عسكرية، وأن الحوار والدبلوماسية هما الخيار الوحيد لتفادي انزلاق الإقليم إلى حالة من انعدام الأمن.
مشهد دولي معقّد وضغوط متزايدة
تأتي هذه التحركات في وقت يشهد تصعيدًا أوروبيًا ضد طهران، بعد إدراج الاتحاد الأوروبي الحرس الثوري الإيراني على قائمة المنظمات الإرهابية، بالتزامن مع اتساع رقعة الاحتجاجات داخل إيران، والانقسام الحاد داخل صفوف المعارضة، وعودة شخصيات معارضة بارزة مثل رضا بهلوي إلى واجهة المشهد السياسي.
في المقابل، تتصاعد الضغوط الأمريكية، حيث دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب علنًا إلى تغيير القيادة في إيران، متهمًا النظام الحالي بالتسبب في تدهور الأوضاع الداخلية وارتكاب انتهاكات واسعة.
القاهرة صوت العقل في زمن الاستقطاب
وسط هذا المشهد المضطرب، تبرز مصر كأحد أبرز الأصوات الداعية إلى التهدئة، مستندة إلى تاريخ طويل من الدبلوماسية المتوازنة، وعلاقاتها المتشعبة مع مختلف أطراف الصراع.
مكالمة الرئيس السيسي ونظيره الإيراني لم تكن مجرد حدث سياسي عابر، بل مؤشرًا واضحًا على سعي القاهرة لاحتواء أزمة معقّدة، ومنع تحوّلها إلى صدام إقليمي واسع قد يدفع ثمنه الجميع.
وفي زمن الاستقطاب الحاد، يبدو أن القاهرة اختارت مجددًا أن تكون جسرًا للحوار لا ساحة للصراع.

