دراسة: الكوابيس المتكررة قد تكشف اعتلالًا عصبيًا مبكرًا وتُنذر بخطر الخرف
لم تعد الكوابيس المتكررة مجرد اضطراب عابر في النوم، بل قد تمثل مؤشرًا مبكرًا على اعتلال عصبي كامن، وفقًا لتحليل علمي حديث أجرته جامعة برمنجهام، ربط بين تكرار الكوابيس أسبوعيًا وارتفاع ملحوظ في مخاطر التدهور المعرفي والخرف في مراحل لاحقة من العمر.
ووفقًا لنتائج الدراسة، فإن الأشخاص في منتصف العمر الذين يعانون من كوابيس أسبوعية يواجهون خطرًا أعلى بنحو أربعة أضعاف للإصابة بتدهور معرفي خلال عقد من الزمن، بينما يتضاعف خطر تشخيص الخرف لدى كبار السن الذين يعانون من الظاهرة نفسها.
وتشير التقديرات العلمية إلى أن الإنسان يقضي ما يقارب ست سنوات من عمره في الأحلام خلال مراحل نوم حركة العين السريعة REM، ورغم ذلك، لا يزال هذا الجانب من النوم أقل فهمًا من الناحية الطبية مقارنة بوظائف دماغية أخرى.
ونُشرت الدراسة، التي قادها أبيديمي أوتايكو، الباحث السريري الأكاديمي في المعهد الوطني البريطاني للبحوث الصحية، في مجلة eClinicalMedicine، اعتمدت نتائجها مجلة Science Alert.
وشمل التحليل ثلاث مجموعات سكانية رئيسية، جرى خلالها تتبّع أكثر من 600 شخص في منتصف العمر لمدة تسع سنوات، وأكثر من 2600 شخص من كبار السن على مدى خمس سنوات، وجميعهم لم يكونوا مصابين بالخرف عند بدء الدراسة.
واعتمد الباحثون على استبيانات معتمدة لرصد معدل تكرار الكوابيس، إلى جانب متابعة التدهور المعرفي وتشخيصات الخرف وفق المعايير الطبية المعتمدة.
وأظهرت النتائج فروقًا واضحة في مستوى المخاطر حيث متوسطو العمر 35–64 عامًا ارتفاع خطر التدهور المعرفي بمقدار أربعة أضعاف، بما يشير إلى احتمالية الإصابة بالخرف خلال عشر سنوات.
وتضاعف خطر تشخيص الخرف، فكبار السن 79 عامًا فأكثر، وكانت العلاقة أقوى بشكل لافت إذ ارتفع خطر الخرف لدى كبار السن من الرجال إلى نحو خمسة أضعاف، مقابل زيادة محدودة نسبيًا لدى النساء.
واستمرت هذه الارتباطات الإحصائية حتى بعد ضبط عوامل مؤثرة مثل الاكتئاب، وانقطاع النفس أثناء النوم، وتناول بعض الأدوية، وعوامل الخطر القلبية الوعائية، ما يعزز فرضية أن الكوابيس ليست مجرد خلل في النوم، بل انعكاس لاعتلال عصبي مبكر.
وطرحت الدراسة تفسيرين محتملين لهذه العلاقة، أولهما أن الكوابيس تمثل علامة إنذار مبكرة، حيث تؤثر البروتينات المرتبطة بالتنكس العصبي، مثل أميلويد بيتا وتاو وألفا-سينوكلين، على دوائر نوم حركة العين السريعة قبل سنوات طويلة من ظهور التلف الدماغي القابل للرصد بالتصوير الطبي.
ويفترض التفسير الثاني، أن اضطراب نوم حركة العين السريعة بشكل مزمن قد يسرّع العمليات الالتهابية والإجهاد التأكسدي، بما يسهم في تسريع تلف الدماغ.
ويرجّح أوتايكو الاحتمال الأول، مع تأكيده أن طبيعة الدراسة الرصدية لا تسمح بإثبات علاقة سببية مباشرة، مشيرًا إلى أن الكوابيس المتكررة قد تسبق مشكلات الذاكرة والخرف بسنوات، وربما بعقود، خاصة لدى الرجال.
وتفتح هذه النتائج الباب أمام إمكانية إدراج تكرار الكوابيس ضمن الفحوصات الروتينية للصحة العصبية، بما يسمح بتدخلات وقائية مبكرة قد تُسهم في إبطاء مسار التدهور المعرفي.
كما شدد الباحثون على أهمية تدريب تقنيات التصور الذهني كأحد الأساليب العلاجية الواعدة لتخفيف حدة الكوابيس.
ويخلص الباحثون إلى أن صحة الدماغ قد تكشف عن إشاراتها الأولى أثناء النوم، مؤكدين أن ما يحدث ليلًا لا يقل أهمية عما يظهر في ساعات اليقظة.
