شحاته زكريا يكتب.. لماذا لا يشبه الغد وعود الأمس؟
لم يكن الغد يوما فكرة بعيدة بل وعدا. وعد بسيط في لغته، كبير في أثره: غد أفضل أكثر استقرارا أعدل قليلا وأرحم على الناس، لكن مع مرور الوقت بدأ هذا الوعد يتآكل. ليس لأن الغد خذلنا وحده بل لأن الطريق إليه تغيرولأن العالم نفسه لم يعد كما كان حين قطعت تلك الوعود.
السؤال لم يعد: لماذا لم يتحقق الغد؟ بل لماذا لم يعد يشبه ما وعدنا به؟ جزء من الإجابة يكمن في أن وعود الأمس صيغت في عالم أبطأ. عالم كانت فيه التحولات تدريجية والأزمات محدودة النطاق واليقين أكثر حضورا. أما اليوم فنعيش في زمن متسارع تتغير فيه المعادلات قبل أن تكتمل الخطط وتنهار فيه المسلمات أسرع من قدرتنا على استيعابها. الغد لم يعد امتدادا طبيعيا لليوم بل قفزة في المجهول.
لكن الاكتفاء بهذا التفسير يظل تبسيطا مريحا. الحقيقة الأعمق أن كثيرا من وعود الأمس لم تبن على قراءة دقيقة للواقع بل على رغبة في الطمأنة أكثر من الاستعداد. قيل للناس ما يهدئ القلق لا ما يهيئهم للتغيير. وهنا بدأت الفجوة الأولى بين الوعد والواقع.
الغد لا يشبه وعود الأمس لأن الأدوات لم تتغير بالقدر الكافي.
تحدثنا عن التطور بعقلية قديمة وعن المستقبل بلغة الماضي وعن التحديات الجديدة بنفس الحلول التي نجحت سابقا. لكن الزمن لا يكافئ التكرار ولا يمنح الفرص لمن يصر على التفكير بالأدوات ذاتها في عالم تبدلت فيه الشروط.
في السياسة لم يعد الاستقرار يعني الجمود بل القدرة على التكيف .. وفي الاقتصاد لم تعد الأرقام وحدها مؤشر النجاح بل شعور الناس بالعدالة والأمان .. وفي المجتمع لم يعد الصبر فضيلة مطلقة بل علاقة متبادلة بين التحمل والإنصاف ومع ذلك استمرت وعود كثيرة في تجاهل هذا التحول فكانت النتيجة غدا لا يشبه ما قيل عنه.
ثم هناك عامل لا يقل أهمية: تضخم التوقعات.
الوعود حين تتكرر بلا مراجعة ترفع سقف الأمل إلى مستوى يصعب على الواقع اللحاق به. وحين يتسع الفارق بين التوقع والنتيجة لا يولد الغضب فقط بل يولد الشك. شك في الخطاب وفي النوايا وأحيانا في فكرة الغد نفسها.
المشكلة ليست في الأمل بل في الأمل غير المرتبط بخارطة طريق واضحة .. الغد لا يأتي لأننا نريده بل لأننا نعد له بجدية. والوعود التي لا تضع الإنسان في قلبها ولا تعترف بثمن الانتظار سرعان ما تفقد مصداقيتها مهما كانت لغتها جذابة.
لماذا لا يشبه الغد وعود الأمس؟ لأن بعض الوعود تحدثت عن النتائج قبل أن تناقش الكلفة.
وعدت بالتحسن دون أن تشرح الطريق، وبالاستقرار دون أن تهيئ الناس لتحمل التغيير وبالمستقبل دون أن تعترف بتعقيد الحاضر .. العالم اليوم لا يمنح رفاهية الإنكار.
الأزمات متشابكة والقرارات أكثر حساسية وأي تأخير في الفهم يضاعف الثمن. الغد لم يعد مساحة مفتوحة للتجربة بل نتيجة مباشرة لما نفعله اليوم أو لما نتجاهله.
وهنا تبرز مسؤولية الخطاب العام .. الناس لا تطلب وعودا مثالية بل صدقا. لا تطلب مستقبلا بلا صعوبات بل شراكة في الفهم. حين يشعر الناس أنهم جزء من الصورة وأن ما يطلب منهم له معنى يصبح الانتظار ممكنا ويصبح الغد أقرب إلى التصديق.
الغد لا يشبه وعود الأمس لأن تلك الوعود لم تحدث لغتها بما يكفي .. لم تعترف بأن العالم أصبح أكثر هشاشة وأن اليقين تراجع وأن النجاح لم يعد يقاس بالشعارات بل بالقدرة على تقليل الخسائر وتعظيم فرص النجاة.
ومع ذلك فالغد لم يغلق بابه، لكنه لم يعد يقبل الوعود العامة ولا الخطابات المطمئنة بلا مضمون. الغد الجديد يحتاج وعودًا أصغر أكثر واقعية وأشد التزاما. يحتاج إلى وضوح بدل الطمأنة وإلى شجاعة في الاعتراف قبل التفاؤل في النهاية الغد لا يشبه وعود الأمس لأن الزمن تغير…لكن بإمكانه أن يشبه وعودا جديدة إذا صيغت بوعي وبنيت على فهم حقيقي واحترمت الإنسان بوصفه شريكا لا متلقيا.
الغد لا يصنع بالكلمات وحدها، بل بالصدق الذي يجعل الكلمة ممكنة، وبالعمل الذي يمنح الوعد فرصة أن يصبح واقعا.

