رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

بين أطلال الملك رمسيس الثاني.. اكتشافات جديدة تهز الأقصر

معبد الرامسيوم
معبد الرامسيوم

في قلب محافظة الأقصر، حيث يلتقي نهر النيل بأفق الزمن، وتقف الصروح القديمة شاهدة على عبقرية الإنسان وعظمة الحضارة، حيث ينبض التاريخ بكل تفاصيله في كل حجر وكل نقش؛ هنا، في هذه الأرض التي تحتضن أسرار آلاف السنين، يطل معبد الرامسيوم، ليس كمجرد بناء من الحجر الرملي، بل سرد حي لتاريخ الملك رمسيس الثاني، وتجسيد لروح الزمن التي ترفض الانطفاء.

فكل زاوية فيه، وكل عمود وكل تمثال، يطرح أسئلة فلسفية عن الوجود، وعن العلاقة بين الإنسان والموت، بين القوة والفن، بين الذاكرة والخلود؛ ففي هذه البقعة من العالم، يصبح الحفاظ على التراث أكثر من مهمة مادية، إنه واجب على الذاكرة الإنسانية نفسها، وسبيل لإعادة ربط الحاضر بعظمة الماضي، واستلهام المعاني التي تتجاوز حدود المكان والزمان.

البر الغربي

بدأت القصة في قلب البر الغربي، حيث يقف معبد الرامسيوم شامخًا، شاهداً على مجد الملك رمسيس الثاني، أحد أعظم ملوك مصر القديمة، الذي حكم بين عامي 1279 و1213 ق.م؛ فالمعبد الجنائزي، المصنوع من الحجر الرملي، ليس مجرد صرح معماري، بل سجل حي لتاريخ مصر القديمة، يروي قصة معركة قادش الشهيرة، ويعرض عظمة الملك وهو يهزم أعداءه في نقوش بارزة لا تزال تحتفظ بتفاصيلها المدهشة بعد آلاف السنين.

يضم الرامسيوم عدة عناصر بارزة، منها الصرح الأول المهيب، الذي تتزين واجهته الخارجية بأربع ساريات للأعلام، بينما تصور المناظر الداخلية الصراع العظيم لمعركة قادش؛ وكذا الفناء الأول، الذي كان يحتوي على صفوف من الأساطين في الجنوب وأعمدة أوزيرية في الشمال، أصبح اليوم مهدمًا، لكن هويته المعمارية ما زالت تفرض نفسها على الزائر.

رمسيس الثاني

الصرح الثاني، حيث توجد بقايا تمثال ضخم من الجرانيت الأسود للملك رمسيس الثاني، والفناء الثاني به صفوف من الأساطين البردية والأعمدة الأوزيرية، يؤكد على ضخامة وروعة هذا الصرح الجنائزي.

إلى جانب الصروح والفناءات، يحتوي المعبد على بهو الأساطين بستة صفوف من الأعمدة الضخمة، ومجموعة من المقاصير المخصصة للمعبودات المختلفة، ومبانٍ للخدمات اليومية مثل المخابز والمطابخ والمخازن، ما يجعل الرامسيوم نموذجًا متكاملاً لبنية المعبد المصري الجنائزي، ونموذجًا استلهم منه الملوك اللاحقون تصميم معابدهم.

زيارة الأمين العام للآثار

وفي إطار المتابعة الدورية للمشروعات الأثرية بمختلف أنحاء الجمهورية، قام الدكتور محمد إسماعيل خالد، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، بجولة ميدانية شملت الرامسيوم وعددًا من المواقع الأخرى بالأقصر.

فيما ركزت الجولة على متابعة مشروع ترميم وإعادة تركيب الصرح الأول بالمعبد، الذي تنفذه البعثة المصرية-الكورية بالتعاون مع الجامعة الوطنية الكورية للتراث.

وكان شهد المشروع تقدمًا ملحوظًا في الدراسات العلمية والفنية، إلى جانب التوثيق الرقمي للكتل الحجرية والمناطق المحيطة بالصرح باستخدام الماسح الضوئي ثلاثي الأبعاد، وإنشاء موقع خاص لأعمال الترميم وتجهيز الكتل على مصاطب معدّة لهذه الغاية.

كما تم استخراج عدد كبير من كتل الصرح التي كانت مغطاة بالرمال منذ وقوع زلزال قديم، وهي دلائل أثرية قيمة تسهم في إعادة إحياء المعبد وإثراء الدراسات الأكاديمية عن عصر رمسيس الثاني.

خراطيش الملك رمسيس

وخلال الجولة، لاحظ الأمين العام خراطيش الملك رمسيس الثاني في أساسات البرج الشمالي للصرح، تأكيدًا على سلامة الأساسات، كما اطلع على أحدث أساليب التوثيق العلمي التي تُستخدم لضمان الحفاظ على المعبد وفق أعلى المعايير الدولية.

ليس الرامسيوم وحده ما يشكل محور الاهتمام، فقد رافق الأمين العام في الجولة متابعة أعمال البعثات المصرية والأجنبية.

وكانت شهدت الزيارة اعمال البعثة المصرية بمنطقة ذراع أبو النجا حيث تم الكشفت عن ثلاث مقابر لكبار موظفي الدولة الحديثة خلال عام 2025.

وكذا البعثة الفرنسية بدير المدينة، حيث قامت بتجميع وإعادة تركيب تابوت مقبرة "باشيدو" من عصر سيتي الأول ورمسيس الثاني، ويعد هذا التابوت مميزًا لنصوصه النادرة مثل نص "اعتراف النفي".

بالإضافة إلى البعثة الصينية بمعبد مونتو، والتي اكتشفت مقاصد للإله أوزير وبحيرة مقدسة، وما زال العمل مستمرًا لاستكمال كشف باقي أجزاء البحيرة، مع تأكيد أهمية التعاون العلمي بين مصر والصين.

الرامسيوم ومستقبل البحث العلمي

معبد الرامسيوم لا يمثل مجرد إرث تاريخي، بل هو مختبر حي للبحث العلمي والدراسات المعمارية في مصر القديمة.

فمن خلال مشاريع الترميم والتوثيق الرقمي، أصبحت كل كتلة حجرية، وكل نقش على الجدران، أداة لفهم الحياة والمعتقدات في عصر رمسيس الثاني، وضمان استمرار نقل هذا التراث للأجيال القادمة.

وأكد الدكتور محمد إسماعيل خالد أن مشروع ترميم الرامسيوم يعد من المشروعات الكبرى ذات الأهمية الأثرية والعلمية، وهو نموذج يُحتذى به في صون التراث المصري، ويعكس دور المجلس الأعلى للآثار في إبراز عظمة الحضارة المصرية.

وفي الوقت الذي يتابع فيه العالم الاكتشافات الحديثة، يظل الرامسيوم، بصرحه المهيب وتماثيله الضخمة ونقوشه التاريخية، قلب الحضارة المصرية القديمة النابض، ومفتاحًا لفهم مجد مصر عبر آلاف السنين.

تم نسخ الرابط