مشاريع ضخمة ونماذج مستدامة.. بشرة سارة لأهالي البحيرة (تفاصيل)
محافظة البحيرة ليست مجرد أرض يزرعها الإنسان أو يربّي فيها الحيوان، بل هي مختبر الحياة الذي يعكس قدرة الإنسان على التوازن بين الطبيعة والاقتصاد، بين الإنتاج الغذائي والحفاظ على الموارد، وبين الاحتياجات اليومية والرؤية المستقبلية.

هنا، حيث تتلاقى الأرض والمياه والجهد البشري، تُصاغ قصة التنمية المستدامة، ويُرسم نموذج للأمن الغذائي يتحقق من خلال التخطيط الحكيم، والابتكار الزراعي، وتمكين الإنسان من أدواته في الريف.
إن مشروعات الإنتاج الحيواني وتصنيع الألبان في البحيرة ليست مجرد مصانع أو مزارع، بل هي مزيج من العلم والوعي والمسؤولية الاجتماعية، تعكس فلسفة الدولة في جعل الغذاء ركيزة للعيش الكريم، ووسيلة لتحقيق التوازن بين الإنسان والطبيعة، وبين الحاضر والمستقبل.
الاكتفاء الذاتي
ففي ظل خطة الدولة المصرية لتعزيز الأمن الغذائي وتحقيق الاكتفاء الذاتي في قطاع اللحوم والألبان، تشكل محافظة البحيرة نموذجًا بارزًا لنجاح هذه الرؤية، من خلال تنفيذ مشروعات الإنتاج الحيواني وتصنيع الألبان التي توفر منتجات غذائية أساسية، وتخلق فرص عمل، وتدعم صغار المزارعين، وتساهم في استقرار الأسعار وتحسين مستوى المعيشة في الريف المصري.
وتأتي هذه الجهود ضمن استراتيجية شاملة تهدف إلى دمج التنمية الاقتصادية مع التنمية الاجتماعية والبيئية، عبر إنشاء مجمعات إنتاج متكاملة تضم مزرعة نموذجية، مصانع للألبان، مستشفيات بيطرية، بنية تحتية لمعالجة المياه ومخلفات الإنتاج، بالإضافة إلى برامج تدريبية وتأهيلية للمزارعين والسيدات.

محطة النوبارية
تمثل محطة الإنتاج الحيواني لتصنيع الألبان بالنوبارية نموذجًا عمليًا متكاملًا لإنتاج الألبان، على مساحة تبلغ حوالي 6 أفدنة، بطاقة استيعابية تصل إلى 1377 رأس ماشية.
وتعد هذه المحطة مثالًا حيًا على إمكانية تطوير مزارع إنتاج حيواني نموذجية يمكن تكرارها في مختلف المحافظات لتحقيق تكامل بين الإنتاج الحيواني والزراعي والتسويق.
فيما لا يقتصر دور المحطة على الإنتاج فقط، بل تتعداه إلى تمكين صغار المزارعين والسيدات، حيث يتم توفير العجلات العشار المحسنة وراثيًا بنظام قروض ميسرة، مما يعزز إنتاجية اللحوم والألبان، ويرفع مستوى الجودة الوراثية للثروة الحيوانية المحلية.
كما تقدم المحطة برامج تدريبية متخصصة للسيدات والمزارعين على تصنيع الألبان ومشتقاتها، مثل الجبن والزبدة والزبادي، بهدف إنشاء مشروعات صغيرة متكاملة تساهم في حل أزمة تسويق الألبان الخام، وتوفر دخلًا إضافيًا للعائلات الريفية.

التكامل الزراعي
وتعمل المحطة وفق نموذج متكامل يربط الإنتاج النباتي بالحيواني، حيث يتم التعاقد مع الجمعيات التعاونية الزراعية لتوفير المواد العلفية مثل البرسيم والذرة الشامية لإنتاج السيلاج، إضافة إلى الأعلاف المركزة التي يتم الحصول عليها من الجمعية العامة للأراضي المستصلحة.
هذا النظام يضمن حلقة إنتاج مغلقة ومستدامة بين الزراعة وتربية الحيوان، ويقلل من الاعتماد على الاستيراد ويعزز الاستقرار الغذائي.
كما تضم المحطة مصنعًا متكاملًا للألبان ينتج مجموعة متنوعة من المنتجات عالية الجودة، تشمل: الجبن الموتزاريلا، الزبادي، الزبدة، الجبن القريش، الجبن الدمياطي؛ وذلك بهدف تعزيز القيمة المضافة للمنتج المحلي وفتح أسواق جديدة لصغار المزارعين.

مشروع قومي متكامل
كما يمثل مجمع إنتاج الألبان رقم 2 بالنوبارية نموذجًا متقدمًا للمشروعات القومية في قطاع الإنتاج الحيواني، إذ يمتد على مساحة 29 فدانًا ويضم: مزرعة نموذجية لإنتاج الألبان بطاقة 2000 رأس حلاب وإنتاج يومي يصل إلى 60 طنًا من اللبن، وكذا مستشفى بيطري متكامل لتقديم الرعاية الطبية للحيوانات، ومبنى مخصص للولادة لضمان تحسين معدلات التكاثر وجودة العجول، بالاضافة إلى عدد 2 محلب آلي بإجمالي 48 نقطة، و5 خزانات لتخزين اللبن بسعة 50 طن لكل محلب، وعربة نقل لبن مزودة بخزان بسعة 30 طن.
كما يشمل المجمع أيضًا بنية تحتية بيئية حديثة، تشمل: محرقة آمنة للتخلص من المخلفات البيولوجية، ومحطة معالجة مياه الصرف الصحي بطاقة 100 متر مكعب يوميًا، وكذا محطة معالجة مياه المحلب بطاقة 100 متر مكعب يوميًا.
ويأتي هذا المشروع في إطار رؤية الدولة لتحقيق استدامة بيئية ومراعاة المعايير الصحية في إنتاج الألبان وتوزيعها.
أما مجمع إنتاج الألبان رقم 1 بالنوبارية – البستان، فهو يمتد على مساحة مناسبة ويضم 1000 رأس حلاب بطاقة إنتاجية يومية تصل إلى 30 طنًا من اللبن، مما يعكس استراتيجيات الدولة في تنويع وإتاحة الإنتاج في مواقع متعددة لتلبية الطلب المحلي.

دعم قطاع اللحوم
في إطار دعم قطاع اللحوم، تم افتتاح مجمع الإنتاج الحيواني رقم 6 بشمال التحرير، الذي يضم: 4 مزارع نموذجية للإنتاج الحيواني بسعة إجمالية تصل إلى 20 ألف رأس تسمين، بطاقة إنتاجية تصل إلى 10 آلاف طن لحم حي بالدورة الواحدة، بالاضافة إلى مستشفى بيطري متكامل لضمان صحة وسلامة الثروة الحيوانية، ومنفذ تسويق نموذجي مجهز بثلاجات وشاشات عرض لتسهيل وصول المنتج للمستهلك.
ويمتد المجمع على مساحة ضخمة تصل إلى 290 ألف فدان، ليشكل نموذجًا متكاملًا يربط الإنتاج، الرعاية الصحية، والتسويق في منظومة واحدة، بما يعزز استقرار الأسعار ويقلل الاعتماد على الاستيراد.

التنمية المستدامة بالريف المصري
تشكل هذه المشروعات ركيزة أساسية في تحقيق التنمية المستدامة في الريف المصري، حيث تساهم في: خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة للشباب في مجالات الإدارة، الطب البيطري، الهندسة، والتسويق، ورفع مستوى المعيشة وتحسين دخل صغار المزارعين والسيدات، وضمان استقرار الأسعار في الأسواق المحلية، وكذا زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الفجوة الغذائية في اللحوم والألبان، بالاضافة إلى تحسين جودة المنتجات الزراعية والحيوانية من خلال الاعتماد على تكنولوجيا حديثة وأنظمة متابعة دقيقة
كما تعكس المشروعات اهتمام الدولة بتطوير سلاسل القيمة الزراعية والإنتاجية، وربط المزارع بالمعامل والمصانع، ما يسهم في تحسين كفاءة الإنتاج، وتخفيض الهدر، وزيادة الفائدة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع.

الأمن الغذائي على رأس الأولويات
وتعكس هذه المشروعات رؤية مصرية واضحة لبناء منظومة إنتاج غذائي متكاملة ومستدامة، قادرة على مواجهة التحديات المستقبلية، وتحقيق تنمية متوازنة بين الريف والحضر، وضمان استدامة الموارد الطبيعية، وحماية البيئة، وتحقيق الأمن الغذائي على المدى الطويل.
وفي النهاية تشير هذه المشروعات إلى قدرة الدولة المصرية على الجمع بين التخطيط الاستراتيجي، التكنولوجيا الحديثة، الاستدامة البيئية، والتنمية الاجتماعية في منظومة واحدة، بما يجعل محافظة البحيرة نموذجًا يحتذى به في مجال الإنتاج الحيواني وتصنيع الألبان، ويعزز دورها في تحقيق الأمن الغذائي والتنمية الريفية المستدامة على مستوى الجمهورية.



