رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

المليون الذي غيّر كل شيء.. قصة مشروع بدأ بصمت وتحول إلى ركيزة اقتصاد

ارشيفية
ارشيفية

في الأزمنة التي تتسارع فيها الأزمات وتتقلب فيها الأسواق، لا يصبح الغذاء مجرد سلعة، بل معنى للطمأنينة ومرآة لوعي الدولة بذاتها.

فالثروة الحيوانية ليست أرقامًا في جداول الإنتاج، ولا مشروعات تُقاس فقط بما تنتجه من لحوم وألبان، بل هي اختبار لقدرة الإنسان على إدارة ما وهبته الأرض، وعلى تحويل الطبيعة من عطاء عشوائي إلى منظومة واعية تحمي الحاضر وتؤمّن المستقبل.

حق الأجيال القادمة في غذاء آمن

هنا، تتقاطع التنمية مع الفلسفة، ويصبح الاستثمار في الحيوان استثمارًا في الإنسان، وفي استقرار المجتمع، وفي حق الأجيال القادمة في غذاء آمن لا تحكمه المصادفات ولا تقيده الأزمات.

ومن هذا الأفق، يمكن قراءة التحولات العميقة التي شهدها قطاع الثروة الحيوانية، بوصفها انتقالًا من منطق سد الفجوة إلى فلسفة البناء طويل الأمد، حيث لا يُدار الغذاء بردّ الفعل، بل برؤية تعرف أن الأمن الحقيقي يبدأ من المائدة.

حيث لم تعد الثروة الحيوانية في مصر ملفًا تقليديًا يُدار بمنطق سد الاحتياجات الآنية، بل تحولت خلال الأعوام الأخيرة إلى مشروع تنموي متكامل، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن الغذائي، والعدالة الاجتماعية، والاستثمار، والتشغيل، والاستدامة البيئية.

ومع حلول عامي 2025 و2026، بدأت ملامح هذا التحول تتجلى بوضوح، مدفوعة بحزمة من المشروعات القومية والمبادرات التمويلية والإصلاحات التنظيمية، التي استهدفت إعادة بناء القطاع من الجذور، لا ترقيعه من الأطراف.

من الحظيرة للاقتصاد الكلي

تنطلق رؤية الدولة في تنمية الثروة الحيوانية من قناعة أساسية مفادها أن الأمن الغذائي ركيزة من ركائز الأمن القومي، وأن تقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك لا يتحقق إلا عبر التوسع المنظم في الإنتاج المحلي، وتحسين كفاءة السلالات، وربط الإنتاج الحيواني بالزراعة والصناعة في منظومة واحدة متكاملة.

ومن هذا المنطلق، جاءت المشروعات الكبرى لتربية المواشي والإنتاج الحيواني كأدوات عملية لتحقيق التنمية، وليس مجرد مشروعات إنتاجية معزولة.

تمكين صغار المربين

يُعد المشروع القومي للبتلو أحد أعمدة هذه الرؤية التنموية، لما يحمله من بعد اقتصادي واجتماعي في آن واحد؛ فحتى يناير 2026، بلغ إجمالي التمويل الموجه للمشروع نحو 10.05 مليار جنيه، استفاد منها أكثر من 45 ألف مستفيد من صغار المربين وشباب الخريجين والسيدات، خاصة في قرى مبادرة «حياة كريمة».

وأسهم المشروع في تربية وتسمين نحو 522.5 ألف رأس ماشية، بما ساعد على زيادة المعروض المحلي من اللحوم الحمراء، وتحقيق توازن نسبي في الأسواق، إلى جانب خلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة في الريف.

مجمعات الإنتاج المتكاملة

في موازاة دعم صغار المربين، اتجهت الدولة إلى إنشاء مجمعات إنتاج حيواني وألبان متكاملة، يأتي في مقدمتها مجمع الإنتاج الحيواني والألبان بمدينة السادات بمحافظة المنوفية، والذي يمثل نموذجًا صناعيًا حديثًا يربط بين التربية، والإنتاج، والتصنيع، والتسويق.

ويستهدف المجمع تقليل الاعتماد على الاستيراد، وتحسين السلالات، وتوفير منتجات ذات جودة عالية بأسعار تنافسية، بما يعزز القيمة المضافة ويخدم أهداف التنمية الصناعية والغذائية في آن واحد.

عندما تلتقي الزراعة بالحيوان

ضمن الرؤية الأشمل للتنمية المستدامة، يبرز دور جهاز «مستقبل مصر»، الذي دمج مشروعات الإنتاج الحيواني مع مشروعات الاستصلاح الزراعي، لضمان توفير الأعلاف محليًا وتقليل كلفة الإنتاج.

هذا الدمج يعكس تحولًا استراتيجيًا من التفكير القطاعي الضيق إلى التخطيط المنظومي الذي يربط الموارد ببعضها البعض.

ذراع إنتاجية ممتدة

فيما تدير الشركة الوطنية للإنتاج الحيواني أكثر من 22 موقعًا في 9 محافظات، تشمل مزارع تربية ماشية، ومصانع أعلاف، ووحدات إنتاج ألبان، بطاقة استيعابية كبيرة، ما يجعلها أحد اللاعبين الرئيسيين في ضبط السوق وتعزيز المعروض المحلي.

حلم الاكتفاء الذاتي

وفي قلب هذه المنظومة، يبرز مشروع المليون رأس ماشية كمشروع قومي طموح يستهدف الوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي من اللحوم الحمراء. وبدأت أولى مراحله بتربية 200 ألف رأس أبقار، منها 180 ألف رأس عجول تسمين و20 ألف رأس أبقار حلابة.

وانطلق المشروع من غرب النوبارية بمحافظة البحيرة على مساحة 350 فدانًا، مع تخصيص محطات إنتاج حيواني ومصنع أعلاف ومجزر، ويجري حاليًا استكمال التنفيذ في 8 مواقع إضافية بالتعاون مع جهاز الخدمة الوطنية.

تنظيم السوق وبناء القدرات

على المستوى التنظيمي، شهد عام 2025 إصدار نحو 10,870 ترخيص تشغيل لمشروعات الثروة الحيوانية والداجنة والعلفية ومراكز تجميع الألبان، من بينها 3,685 تصريحًا لمربي الماشية الصغار، في إطار ضبط المنظومة وتطبيق معايير الأمان الحيوي.

كما تم تسجيل 8,247 تسجيلة لمخاليط الأعلاف وإضافاتها، وفقًا للمواصفات العلمية، ما يعكس اهتمام الدولة بجودة المدخلات، باعتبارها أساس جودة المنتج النهائي.

الألبان من العشوائية للصناعة

وفي ملف الألبان، نجحت الدولة في تطوير ورفع كفاءة 300 مركز تجميع ألبان حتى الآن، منها 90 مركزًا بتمويلات ميسرة تجاوزت 517 مليون جنيه، إضافة إلى مراكز جديدة في قرى «حياة كريمة».

وتهدف هذه الخطوة إلى ضمان جودة الحليب، وتحويله إلى منتج صناعي قادر على المنافسة، خاصة أن مصر تحقق اكتفاءً ذاتيًا بنسبة 100% من الألبان السائلة، وتصدر الفائض للخارج.

اعادة الاعتبار للريف

وفي النهاية فيما بين التمويل، والتنظيم، والتصنيع، وبناء القدرات، تتكشف ملامح مشروع وطني متكامل لإعادة صياغة قطاع الثروة الحيوانية في مصر.

مشروع لا يهدف فقط إلى زيادة الإنتاج، بل إلى تحقيق تنمية شاملة تعيد الاعتبار للريف، وتوفر غذاءً آمنًا، وتقلل فاتورة الاستيراد، وتضع الإنسان في قلب المعادلة.

هكذا، لم تعد الحظيرة نهاية السلسلة، بل بدايتها؛ ولم تعد الثروة الحيوانية مجرد أرقام، بل قصة تنمية تُكتب على مهل، ولكن بثبات.

تم نسخ الرابط