موقف زعماء أوروبا من أطماع ترامب في جرينلاند.. والأخير: لا أحد يستطيع حمايتها
تعيش أوروبا لحظة توتر غير مسبوقة مع الولايات المتحدة، إذ يكرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يومًا بعد يوم رغبته في ضم جرينلاند لسيرطته، وهي الرغبة التي اشعلت التوترات الأخيرة، ملوّحاً بفرض تعريفات جمركية على دول حلف الناتو ما لم تقبل كوبنهاجن بالتخلي عن الإقليم لصالح واشنطن، هذا التصعيد دفع قادة أوروبا إلى اصطفاف دبلوماسي واحد، للتأكيد على أن السيادة الإقليمية ليست سلعة قابلة للمساومة، وأن مستقبل غرينلاند يحدده شعبها وحده.
تصعيد أمريكي يربك أوروبا
لا يكف الرئيس الأمريكي عن الحديث عن جزيرة جرينلاند موضحًا رغبته الملحة التي لا تنتهي في شرائها، لكن هذه المرة عبر لغة أكثر حدّة، إذ حذر من رسوم جمركية قد تشمل ثماني دول أوروبية، في خطوة وصفتها بروكسل بأنها “ابتزاز اقتصادي”، ويكرر ترامب رؤيته للإقليم باعتباره “مكسباً استراتيجياً” للولايات المتحدة، لما يحتويه من موارد نادرة وموقع عسكري حساس في أقصى الشمال.
هذا التهديد الاقتصادي فتح الباب أمام أسئلة حول نوايا الإدارة الأمريكية، خاصة بعد تسريب رسالة وجّهها ترامب لرئيس وزراء النرويج، قال فيها إنه لم يعد يشعر “بالتزام التفكير في السلام فقط” بعد عدم فوزه بجائزة نوبل للسلام.
الرئيس الأمريكى قال في أحدث تصريحاته إنه لا أحد يستطيع حماية جزيرة جرينلاند، مشيرا إلى أن الجزيرة مهمة للغاية بالنسبة للولايات المتحدة، وصرح للصحفيين فى فلوريدا، إن الولايات المتحدة ستناقش ضم جرينلاند خلال منتدى دافوس الاقتصادي العالمي هذا الأسبوع، لأن الدنمارك عاجزة عن حماية الإقليم.
وتابع قائلا: “يجب أن نحصل عليها.. يجب عليهم إتمام هذا الأمر.. الدنمارك عاجزة عن حمايتها، مع أنهم شعب رائع، مضيفا: أعرف القادة، إنهم أناس طيبون للغاية، لكنهم لا يذهبون إلى هناك حتى”.
الاتحاد الأوروبي: السيادة ليست للبيع
رد الفعل الأوروبي كان سريعاً وحاسماً من بداية الأزمة، حيث أكد كبار مسؤولي الاتحاد أن جرينلاند “ليست مادة تفاوضية”، وأن أي نقاش يجب أن ينطلق من احترام القانون الدولي، وبدأت بروكسل فعلياً دراسة حزمة ردود اقتصادية قد تتجاوز قيمتها 100 مليار دولار، لمواجهة التهديدات الجمركية الأمريكية.
كما شدد دبلوماسيون أوروبيون على أن الأزمة تمثل نقطة تحول خطيرة في العلاقة عبر الأطلسي، معتبرين أن استهداف أراضي دولة عضو في الناتو بالتهديد أو الضغط الاقتصادي “سابقة لا يمكن تجاهلها”.
الدنمارك: خط أحمر لا يقبل التأويل
في كوبنهاجن، كان موقف الحكومة واضحاً وصارماً:جرينلاند ليست للبيع، ولا مجال لفتح نقاش حول ملكيتها، وذكر وزير الخارجية الدنماركي بأن الدنمارك وغرينلاند تصدان بالفعل لمحاولات الصين وروسيا توسيع نفوذهما في المنطقة، وأن بلادهما لا تحتاج إلى “وصاية” أمريكية لتحقيق ذلك، وأضاف أن من واجب المجتمع الدولي الوقوف أمام أي محاولة لشرعنة التوسع بالقوة أو بالضغط الاقتصادي.

بريطانيا وألمانيا: دعوة إلى التهدئة
في لندن، حاول رئيس الوزراء كير ستارمر لعب دور الوسيط، مؤكداً إمكانية التوصل إلى حل “هادئ ومسؤول”، لكنه رفض بشكل قاطع استخدام التعريفات الجمركية كوسيلة فرض واقع جديد.
أما المستشار الألماني فريدريش ميرز، فذهب إلى تأكيد أن دول الاتحاد الأوروبي “ستقف صفاً واحداً” مع الدنمارك وغرينلاند، وأن السيادة الإقليمية “ليست بنداً تفاوضياً مهما كانت الضغوط”.
تحركات عسكرية
على الأرض، عززت القوات الدنماركية والأوروبية وجودها في الإقليم، في تحرك يهدف لإرسال رسالة واضحة: “جرينلاند تحت حماية دولية، ومستقبلها لن يحدده طرف خارجي”، أما سكان الإقليم ومسؤولوه كرروا الرسالة نفسها: جرينلاند جزء من المملكة الدنماركية، وتتمتع بحكم ذاتي واسع، وليس هناك أي نية لمناقشة مسألة “الاستحواذ” عليها.
لماذا يتمسك الأوروبيون بجرينلاند؟
يرى خبراء أن المسألة تتجاوز الجغرافيا، وتشمل:
مواجهة النفوذ الروسي والصيني في القطب الشمالي.
حماية قواعد الإنذار المبكر المهمة للغرب.
التوازن داخل الناتو ومنع تشقق الثقة بين ضفتي الأطلسي.
الحفاظ على القانون الدولي ومنع خلق سوابق للضم القسري أو الابتزاز الاقتصادي.
ويؤكد محللون أن واشنطن لا تحتاج إلى امتلاك الإقليم لتحقيق مصالحها، إذ تتيح اتفاقية عام 1951 وجوداً عسكرياً أمريكياً واسعاً بالفعل.
أوروبا في مواجهة اختبار شراكتها مع واشنطن
أطماع ترامب في جرينلاند وضعت الحلف الأطلسي أمام اختبار صعب، فبينما تستعد أوروبا لرد اقتصادي قوي، يزداد القلق من أن يتحول الخلاف إلى شرخ دائم في العلاقة التاريخية مع الولايات المتحدة.



