خلف الكواليس.. ماذا قدمت منظومة الصحة للملايين في شمال سيناء؟
شمال سيناء ليست مجرد رقعة جغرافية على أطراف الخريطة، بل مساحة مشحونة بالمعنى، تختبر فيها الدولة قدرتها على تحويل التحدي إلى فرصة، والهامش إلى مركز، والاحتياج إلى تنمية.
الإنسان جوهر التنمية
ففي هذه البقعة التي طالما ارتبط اسمها بالصبر والصمود، تصبح الصحة أكثر من خدمة، وتتحول المستشفيات من جدران صامتة إلى شهادة على فلسفة جديدة ترى في الإنسان جوهر التنمية وغايتها الأولى.

هنا، لا يُقاس التطور بعدد الأسرة أو الأجهزة وحدها، بل بمدى اقتراب الدولة من مواطنيها، وبقدرتها على أن تجعل العلاج حقًا لا امتيازًا، والاستقرار نتيجة طبيعية لبناء الإنسان قبل المكان.
ومن ذلك المنطلق لم تعد منظومة الرعاية الصحية في شمال سيناء مجرد خدمات علاجية تُقدَّم في مواجهة الاحتياجات اليومية، بل تحولت إلى أحد أعمدة التنمية الشاملة التي تراهن عليها الدولة لإعادة بناء الإنسان والمكان معًا.
وزارة الصحة
وفي هذا الإطار، أعلنت وزارة الصحة والسكان تقديم نحو مليون و344 ألفًا و320 خدمة طبية عبر المستشفيات ومراكز الرعاية الأولية بمحافظة شمال سيناء، خلال الفترة من يناير حتى ديسمبر 2025، في مؤشر واضح على اتساع نطاق الخدمة الصحية وتحسن قدرتها على الوصول إلى المواطنين في مختلف المراكز والمدن.
تطوير المستشفيات
وشهدت مستشفيات شمال سيناء طفرة نوعية في البنية التحتية والتجهيزات الطبية، حيث تم تخصيص قسم للنساء والتوليد بسعة 12 سريرًا، إلى جانب عناية أطفال بسعة سريرين داخل مستشفى الشيخ زويد، بما يعزز من قدرة المستشفى على تقديم خدمات متخصصة للأم والطفل داخل نطاق المحافظة، دون الحاجة إلى السفر خارجها.
كما جرى دعم المستشفيات بأجهزة وتقنيات حديثة، شملت أجهزة جراحات المخ والأعصاب، وتفعيل عيادة القلب والأوعية الدموية، وأجهزة C-arm والأشعة العادية، وجهاز رسم العصب، ومنظار المسالك البولية داخل مستشفى العريش العام، في خطوة تستهدف رفع كفاءة التشخيص والعلاج، وتقليل معدلات تحويل الحالات إلى محافظات أخرى.
خدمات نوعية للمناطق الأبعد
فيما لم تقتصر جهود التطوير على المدن الكبرى، بل امتدت إلى المناطق الأكثر احتياجًا، حيث تم تشغيل خدمات العلاج الطبيعي والسمعيات، وتفعيل وحدة التشخيص عن بعد، وعيادات الرمد والأنف والأذن والجلدية داخل مستشفى نخل، بما يعكس توجه الدولة نحو تحقيق العدالة الصحية والوصول بالخدمة إلى قلب التجمعات البعيدة.
كما جرى دعم المحافظة بـ 8 أجهزة تنفس صناعي، إلى جانب أجهزة علاج طبيعي حديثة، لتعزيز قدرة المستشفيات على التعامل مع الحالات الحرجة ودعم أقسام الطوارئ والرعاية المركزة.

الصحة تقترب من المواطن
وفي ديسمبر 2025، افتتحت وزارة الصحة 6 وحدات طب أسرة جديدة بمركز بئر العبد، شملت مناطق المريح، أقطية، أكتوبر، الأحرار، 30 يونيو، والتلول، في خطوة تؤكد أن التنمية الصحية تبدأ من الرعاية الأولية، وتستهدف تقديم خدمات وقائية وعلاجية قريبة من المواطنين، تخفف الضغط عن المستشفيات المركزية والعامة.
مشروعات واستثمارات مستدامة
وتتواصل أعمال التطوير من خلال استكمال المرحلة الثانية لمستشفيي طوارئ بغداد ورمانة بنسبة إنجاز بلغت 40%، إلى جانب رفع كفاءة أقسام مستشفى الشيخ زويد، وتجديد سكن الأطباء، بما يسهم في جذب الكوادر الطبية واستقرارها داخل المحافظة.
كما يجري إنشاء مبنى جديد للغسيل الكلوي داخل مستشفى العريش العام، بسعة 86 ماكينة، ليكون أحد أكبر المشروعات الصحية المتخصصة بالمحافظة، ويخفف المعاناة عن مرضى الفشل الكلوي.
شراكات علمية
وفي إطار تعزيز التنمية البشرية، أبرمت وزارة الصحة بروتوكولات تعاون مع جامعات العريش، سيناء، الزقازيق، المنصورة، وقصر العيني، إلى جانب هيئة المستشفيات التعليمية ومعهد القلب القومي، فضلًا عن دعم مستشفى نخل بأطباء من جامعة الأزهر، بما يعزز من نقل الخبرات، ورفع كفاءة الكوادر، وتحسين جودة الخدمة الطبية.

عدالة علاجية
وعلى صعيد الحماية الاجتماعية، تم إصدار 3106 قرارات علاج على نفقة الدولة بقيمة إجمالية بلغت 16 مليونًا و172 ألفًا و93 جنيهًا، في تأكيد على التزام الدولة بضمان حق العلاج للمواطنين غير القادرين، وجعل الصحة جزءًا لا يتجزأ من منظومة العدالة الاجتماعية.
الصحة كقاطرة للتنمية
وفي النهاية ما تشهده شمال سيناء اليوم من تطور في القطاع الصحي لا يمكن فصله عن الرؤية التنموية الشاملة للدولة، التي ترى في الصحة ركيزة أساسية للاستقرار وبناء الإنسان. فالمستشفيات المطورة، والوحدات الجديدة، والأجهزة الحديثة، والشراكات الأكاديمية، جميعها تشكل منظومة متكاملة تهدف إلى تحويل شمال سيناء من ساحة تحديات إلى نموذج للتنمية المستدامة.
إنها تنمية لا تُقاس فقط بعدد الخدمات المقدمة، بل بقدرتها على إعادة الثقة للمواطن، وترسيخ حقه في حياة كريمة، يكون فيها العلاج متاحًا، والإنسان في صدارة الأولويات.
