بين وحدة الرسالة وعظمة الله.. ماذا قال علي جمعة عن دلالات الإسراء والمعراج؟
الإسراء والمعراج، تلك الرحلة التي تتجاوز حدود الزمان والمكان، ليست مجرد حدث تاريخي أو واقعة سماوية، بل تجربة فلسفية عميقة تمس جوهر الإنسان وعلاقته بالمطلق.
ففي هذه الرحلة، يُعلّمنا السر الكامن وراء الانتقال من الأرض إلى السماء أن الارتقاء لا يكون فقط بالحركة المكانية، بل بالوعي والروحانية والمعرفة، وأن لكل رسالة إلهية هدف يربط بين قدرة الخالق ووحدة الرسالة التي تهدف إلى هداية الإنسان.
الإسراء والمعراج إذًا هو مرآة للتوازن بين المعقول والميتافيزيقي، بين القدرة الإلهية المطلقة والمسؤولية البشرية في إدراك الرسالة، رحلة تُذكّرنا بأن الإنسان مهما بلغ من حدود الأرض، تبقى السماء أفقًا للتفكر، والارتقاء، والتواصل مع الحقيقة الأعمق للوجود.
معجزة الإسراء والمعراج
أكد الدكتور علي جمعة، مفتي الديار المصرية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء، أن معجزة الإسراء والمعراج تحمل دلالات إيمانية عميقة، تتجاوز كونها حدثًا خارقًا للعادة، لتؤكد التقاء عالم الغيب بعالم الشهادة، وإظهار قدرة الله تعالى وفضل نبيه محمد ﷺ.
وأوضح جمعة أن القضية الأولى في معجزة المعراج تتمثل في الخروج الكامل عن سنن المألوف البشري، بما يعكس قدرة الله المطلقة، ويجعل من المعراج حجة واضحة على صدق الرسالة المحمدية.
أما القضية الثانية، والتي تجلّت في الرحلة كاملة واكتمل معناها في المعراج، فهي اجتماع النبي ﷺ بإخوانه من الأنبياء والمرسلين، في تأكيد صريح على وحدة الرسالة الإلهية التي جاءوا بها جميعًا، والمتمثلة في ترسيخ عقيدة التوحيد، وتحرير الإنسان من عبودية المخلوق إلى عبودية الخالق وحده.
وأشار إلى أن حوار النبي ﷺ مع الأنبياء خلال رحلة المعراج عكس إقرارهم بنبوته، وحرصهم على إتمام الرسالة التي تجمعهم في سلسلة واحدة مصدرها الله وغايتها مرضاته، موضحًا أن الأنبياء جميعًا إخوة، أدى كل واحد منهم دوره وفق الزمان والمكان الذي أُرسل فيه، حتى خُتمت الرسالات بسيدنا محمد ﷺ، ليكون الكلمة الأخيرة في خطاب الله للعالمين.
ولفت جمعة إلى مظاهر الحفاوة التي أظهرها الأنبياء في استقبالهم للنبي ﷺ، كما ورد في صحيح البخاري بقولهم: «مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح»، وفي بعض الروايات: «مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح». كما استشهد بوصية الخليل إبراهيم عليه السلام للنبي ﷺ بإبلاغ الأمة سلامه، وبيانه لفضل الذكر وغراس الجنة، ووصية الكليم موسى عليه السلام التي أسهمت في تخفيف عدد الصلوات المفروضة على الأمة رحمةً بها.
قيم المحبة والاحترام
وأكد أن معجزة الإسراء والمعراج أظهرت بوضوح قيم المحبة والاحترام والتوقير المتبادل بين الأنبياء، وأنه لا خلاف بينهم في أصول الدين وإن اختلفت الشرائع بحسب الأزمنة، مشددًا على أن غايتهم واحدة، وهي عبادة الله، وعمارة الأرض، وتزكية النفس، وهداية الإنسان من ظلمات الجهل إلى نور العلم والرحمة.
واختتم جمعة حديثه بالتأكيد على أن البشرية اليوم أحوج ما تكون إلى هذه القيم، داعيًا أتباع الأديان كافة إلى العودة إلى ما كان عليه أنبياؤهم من أخلاق وقيم، وترسيخ معاني التعايش والمحبة والاحترام المتبادل .



