رغم موجات البرد.. أرقام غير متوقعة لمخزون الغاز في أوروبا
أظهرت بيانات حديثة صادرة عن مجموعة مشغلي البنية التحتية للغاز في أوروبا (GIE) مؤشرات لافتة تعكس وضعًا مغايرًا للتوقعات التقليدية في سوق الطاقة الأوروبي، حيث سجلت مرافق التخزين تحت الأرض مستويات امتلاء مرتفعة بلغت 85.1% حتى السابع من يناير الجاري، وهو مستوى يُعد مرتفعًا بشكل غير معتاد في هذا التوقيت من موسم التدفئة الشتوي، الذي يشهد عادة انخفاضًا تدريجيًا في المخزونات مع تصاعد الطلب على الغاز.
وتكشف هذه الأرقام عن قدرة أوروبا على الحفاظ على مخزون قوي من الغاز الطبيعي رغم دخول فصل الشتاء وبلوغ ذروة الاستهلاك، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى مرونة منظومة الطاقة الأوروبية مقارنة بالسنوات السابقة، خاصة في ظل المخاوف التي سادت خلال الفترات الماضية بشأن أمن الإمدادات واحتمالات حدوث نقص حاد في الغاز خلال أشهر البرد القارس.
ويأتي هذا الوضع اللافت في وقت تتعرض فيه مساحات واسعة من أوروبا الغربية والوسطى لموجة برد مستمرة، كان من المتوقع أن تؤدي إلى استنزاف سريع لمخزونات الغاز، إلا أن البيانات أظهرت أن مستويات التخزين ظلت متماشية إلى حد كبير مع الأنماط الموسمية المعتادة، دون تسجيل تراجعات حادة، وهو ما يعكس توازنًا نسبيًا بين العرض والطلب خلال هذه الفترة الحساسة من العام.
واردات الغاز المسال تدعم استقرار الإمدادات
ويعزى هذا الاستقرار في مستويات التخزين بشكل أساسي إلى الارتفاع الملحوظ في واردات الغاز الطبيعي المسال، خاصة القادمة من الولايات المتحدة، حيث لعبت هذه الإمدادات دورًا محوريًا في تعزيز المخزون الأوروبي وتعويض أي نقص محتمل في الإمدادات التقليدية، ما ساعد على الحفاظ على معدلات امتلاء مرتفعة للمرافق تحت الأرض رغم زيادة الاستهلاك المنزلي بسبب الطقس البارد.
إلى جانب ذلك، ساهم تراجع الطلب الصناعي على الغاز في دعم استقرار المخزونات، حيث شهدت بعض القطاعات الصناعية في أوروبا تباطؤًا ملحوظًا أو تعثرًا في التشغيل، نتيجة الارتفاع الكبير في تكاليف الطاقة وأسعار التشغيل، الأمر الذي انعكس على انخفاض استهلاك الغاز في القطاع الصناعي مقارنة بالسنوات السابقة، وفقًا لما أشار إليه التقرير المنشور اليوم الخميس عبر منصة البلقان الإخبارية.
وتشير هذه التطورات إلى تشكل معادلة جديدة في سوق الغاز الأوروبي، تقوم على تنويع مصادر الإمداد والاعتماد بشكل أكبر على الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب التغيرات الهيكلية في الطلب الصناعي، وهو ما ساعد القارة على تجاوز بعض التحديات التي واجهتها خلال مواسم سابقة، كانت تشهد فيها المخزونات تراجعًا سريعًا مع أولى موجات البرد.
ويرى خبراء الإقتصاد ، أن استمرار مستويات التخزين المرتفعة في هذا التوقيت يحمل دلالات اقتصادية واستراتيجية مهمة، إذ يمنح الحكومات الأوروبية هامش مناورة أوسع في إدارة ملف الطاقة، ويخفف من الضغوط المرتبطة بتقلبات الأسعار، كما يعزز الثقة في قدرة القارة على تأمين احتياجاتها من الغاز خلال فترات الذروة، رغم التحديات الجيوسياسية والاقتصادية المحيطة بأسواق الطاقة العالمية.
ترقب لما تبقى من موسم الشتاء
ومع بقاء جزء من موسم التدفئة الشتوي، تظل الأنظار متجهة إلى تطورات الطقس ومستويات الطلب خلال الأسابيع المقبلة، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت أوروبا ستنجح في الحفاظ على هذه المعدلات المرتفعة من التخزين حتى نهاية الشتاء، أم أن موجات برد أكثر حدة قد تفرض ضغوطًا جديدة على منظومة الإمدادات، وتعيد اختبار جاهزية القارة لمواجهة تقلبات سوق الطاقة.



