رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

صبري الموجي يكتب: دكتور حماسة في ذكراه.. مات واقفا كالأشجار !

 صبري الموجي
صبري الموجي

 منذ عشر سنوات، أذهلتني صدمةُ وفاته، فأحجمتُ ساعتئذ عن المشاركة فى رثائه، الذي كتب فيه الكثيرون، مُشيدين بكبير فضله على العربية ودارسيها في العصر الحديث، ودورِه المُبرِز في تقعيد الدرس النحوي، وتأليف كُتب في العربية والنحو، تُضاهي كُتب شيوخها الأوائل كـــ( الخليل بن أحمد، وابن جنى وسيبويه) وغيرهم، استفاد منها الدارسون في مشارق الأرض ومغاربها !

ورغم أنّ ما كتبه مُحبُّوه، ونطق به زملاؤه ومريدوه صدقٌ، إلا أنّه لم يُوفِ الراحل حقَه، بيد أنّ مناقبه على اللغة العربية ودارسيها، ستظلُّ باقيةً أبد الدهر، وكيف لا؟ وقد امتازت مُصنَّفاتُه بعُمق المعنى، وعذوبة اللفظ، وصدق التعبير، وكلُّها مقوماتٌ، متى توافرت في كتاب، أجبرت مُتصفِّحَه على قراءته من ( الجِلدة للجلدة )، فيخرج مُحمّلا بكثير من الفوائد، ودقائق اللغة، التي ملك فقيدُنا ناصيتها، فأسلمت له القياد، فكانت مُصنَّفاتُه قلائد لؤلؤ، تُضاف إلى كنز لُغتنا الثري !
وإذا كان د. محمد حماسة عبد اللطيف ـ رحمه الله ـ امتدادَ سلسلة طويلة لعلماء ثقات أثروا المكتبة العربية تأليفا وتصنيفا، وكانت كُتبُه معينا لا ينضب، نهل وينهل منه الدارسون في شتى البقاع، ومُحاضراتُه الغنيّة بالنفائس، تنزل بردا وسلاما على المُستمعين، فإنَّه امتاز عن السابقين، ولا أبالغُ إن قلتُ وعن اللاحقين أيضا، بخِفة الظل، وروح المرح المُمتزجة بالمهابة، التي تُزيل الحواجز بين التلميذ وأستاذه، فتتسلل المعلومةُ ـ رغم صُعوبتها ـ إلى عقل ولُبّ التلميذ في سهولة ويُسر، فيخرج طلَّابُه من محاضرته الدسمة، دون حاجة إلى مذاكرة الدرس، بعدما حفّظهم أستاذُنا العلاّمة د. حماسة عبد اللطيف إياه .

وطرائفُ د. حماسة مع طلابه أكثرُ من أن تُعدَّ، وكذلك طرائفُ طلابه معه، من ذلك أنَّه في إحدى محاضراته بدار العلوم، وفي يوم شديد الحرارة، كان المدرَّج ممتلئا بالطلاب، الذين فاحت منهم رائحةُ العرق، فقال شيخُنا مُداعبا طلابه: " كلّما مررتُ بالكليات المجاورة، خاصة التجارة والاقتصاد والعلوم السياسية، أزكمتني رائحةُ ( البرفان )، أمّا هنا بالدار، فتُزكمني رائحةُ العرق"، فردّ عليه طالبٌ ورث عن أستاذنا ـ رحمه الله ـ  خفة الظل: لأنَّ كُليتنا عريقة ! 
هنالك ضجّت قاعةُ الدرس بالضحك، ثم انبرى أستاذُنا كالبحر المُنهمر، يغمُرنا بفيض علمه المصحوب بالفكاهة والمرح .

ومن ملامح أستاذنا العلّامة، والتي كان فيها نسيجَ وحده، حنُوّه على طلابه، وإكباره لهم؛ تشجيعا على البحث والدرس، فما من طالبٍ أشرف عليه أستاذنا فى أطروحته للماجستير أو الدكتوراه، إلا وألفى هذا الحنوّ، ولمس ذلك العطف، بعدما أفاض عليه شيخنا بفيض عطاياه، يصدق عليه مع طلابه قولُ زهير: تراه إذا ما جئته مُتهللا /كأنك تعطيه الذي أنت سائلُه !

ذات يوم جاءه أحد الباحثين الصغار، وهو يُقدِّم رجلا، ويؤخِر أخرى بكتابٍ صنَّفه في إعراب القرآن، ووقف التلميذُ أمام الأستاذ مُنكسِر الطرف، يخشى النقد، فإذا بالأستاذ يكيلُ له المديح، بعدما ألفى في كتابه كبير جُهد، فكانت هذه الكلمات دافع الباحث لمزيد من الجهد والتصنيف .

ومن ملامح د. حماسة التي تفرّد بها عن الأقران الصبرُ والاحتساب، رضا بقضاء الله، تجلى ذلك بوضوح في صبره على محنة اتهامه، دون وجه حق، بالجمع بين وظيفتين، فأبى إلا المضي قُدما في طريقه، دون الالتفات لكيد الكائدين، وتعويق المُعطِّلين .

وإذا كانت محامدُ شيخنا أكثرَ من أن تُعدَّ، فإنّ من أجلِّها عطاءه لطلابه بغير حدود دون انتظار مُقابل من أحد، ولكنْ في دنيا كثرُ فيها اللئام، حدث أن تنكر أحدُ الطلاب لكريم صنع أستاذه، وقابل معروفه بطعنة غائرة، أدمت قلبه، فطفق يُردد حتى ليلة وفاته:

لم أفعـــــــــــل العُرفَ لا خـــوفا ولا طمعا لكنَّه الله والأخلاق والـدار .
ما كنتُ أبغي سوى حسن الوداد به وقد جُزيت كما يجزى سنمـــــــار .
يكفي جزائي أنّي سعدتُ بما أتيت من عمـــل والله أختـــــــــــــــــار .

فرحم الله شيخ العربية، الفارس المغوار د. محمد حماسة عبد اللطيف نائب رئيس مجمع اللغة العربية، الذي لم تنثنِ له قناة، أو يغمد له سيف، ورغم كثرة الضربات المُوجهة إليه، أبى إلا أن يموتَ واقفا كالأشجار .

تم نسخ الرابط