محمد دياب يكتب: فنزويلا وإحياء سياسة إسقاط الأنظمة بالقوة
يعكس التدخل الأمريكي المباشر في فنزويلا، وما صاحبه من إنهاء حكم الرئيس نيكولاس مادورو، ملامح مرحلة جديدة في تفاعلات النظامين الإقليمي والدولي، ويكشف بوضوح حجم التناقض الذي تحكم به إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سياساتها الخارجية.
فالرئيس الذي سعى يومًا للحصول على جائزة نوبل للسلام، عاد ليُعيد واشنطن إلى نهج قديم طالما ارتبط بإسقاط الأنظمة وإعادة هندسة الحكم في الدول الأخرى وفق الرؤية الأمريكية، وهي سياسة امتدت آثارها إلى مناطق عدة خارج أمريكا اللاتينية، مخلفةً دولاً منهكة ونماذج فشل صارخة، كما تجلّى ذلك بوضوح في العراق وغيره.
وتتعامل الولايات المتحدة مع نفسها بوصفها القائد الأوحد للنظام الدولي أحادي القطبية، مستندة إلى تفوقها العسكري والاقتصادي، في مواجهة محاولات صاعدة تقودها الصين وروسيا لإعادة تشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب.
وتكمن خطورة هذا التوجه في سعي واشنطن لفرض هيمنتها الكاملة على مفاصل القرار الدولي، واستخدام هذا النظام كأداة لتحقيق مصالحها الاستراتيجية دون اعتبار لتوازنات القوى أو القواعد الحاكمة للعلاقات الدولية.
وفي هذا السياق، يتجاوز ما جرى في فنزويلا إطار الصراع على النفط، ليكشف عن مواجهة أوسع تتصل بالمكاسب الاستراتيجية وحسابات الأمن القومي الأمريكي، ورفض قاطع لأي حضور روسي أو صيني داخل المجال الحيوي التقليدي للولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية.
فالرسالة الأمريكية كانت واضحة: لا مجال للخروج عن القواعد التي تحكم علاقات واشنطن بدائرة نفوذها، ولا تسامح مع أي محاولة لتغيير الواقع القائم. هكذا تحوّل قرار إنهاء حكم مادورو إلى رسالة ردع أمريكية تتجاوز فنزويلا، موجّهة إلى كوبا وكولومبيا وسائر الإقليم، في تأكيد صريح على التمسك بمبدأ مونرو بصيغته المعاصرة.
وتدرك الأنظمة الحاكمة في أمريكا اللاتينية طبيعة هذه المعادلة، وتفهم أن السياسة الأمريكية ثابتة في جوهرها، وإن اختلفت أدواتها.
فكل نظام يحاول تجاوز الخطوط الحمراء المرسومة أمريكياً، يضع نفسه في مواجهة مباشرة مع واشنطن، التي لا تتردد في استخدام القوة لإعادة ضبط المشهد بما يخدم مصالحها.
ولا يبدو أن فنزويلا ستكون المحطة الأخيرة، إذ تشير المعطيات إلى أن إيران قد تكون ضمن الأهداف المقبلة، في إطار تنسيق أمريكي– إسرائيلي واضح.
ويأتي ذلك متزامنًا مع إعلان غير مسبوق من جهاز الموساد عن دعمه العلني لما يسميه «تطلعات الشعب الإيراني»، في وقت يواصل فيه الرئيس الأمريكي دعواته للتغيير من الداخل، وسط نشاط استخباراتي تدريجي داخل إيران يعكس ملامح سيناريو مشابه لما جرى في فنزويلا
وتكمن خطورة السياسة الأمريكية الراهنة في محاولتها إضفاء شرعية على استخدام القوة كوسيلة لتحقيق المصالح، وهو ما يفتح الباب أمام قوى مارقة عن القانون الدولي، وعلى رأسها إسرائيل، للاستمرار في انتهاكاتها بحق الشعب الفلسطيني، وتوسيع عملياتها العسكرية في الجنوب السوري ولبنان، مع فرض وقائع جديدة على الأرض في الضفة الغربية. وهو مسار يُهدد بتحويل القوة العسكرية إلى أداة رئيسية لإدارة الصراعات السياسية في الشرق الأوسط، بما قد يفضي إلى موجات جديدة من العنف وعدم الاستقرار.
كما أن هذا النهج قد يعيد تنظيمات إرهابية إلى المشهد مجدداً، مستفيدة من حالة الفوضى والاحتقان الناتجة عن السياسات الإسرائيلية المدعومة أمريكيًا، الأمر الذي ينذر بمرحلة جديدة من الصراعات ذات تداعيات عابرة للحدود، تحمل تهديدًا مباشرًا للأمن الدولي
ورغم ما تُعلنه واشنطن من رغبة في إنهاء الحرب على غزة، والسعي للتوصل إلى تسوية للأزمة الروسية الأوكرانية، فإن ما جرى في فنزويلا يعكس بوضوح ازدواجية المعايير التي تحكم السياسة الأمريكية، حيث تُستخدم لغة السلام في موضع، وتُمارس سياسات القوة والإقصاء في موضع آخر.
ويبقى التساؤل مطروحًا حول دور الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية، التي بدت عاجزة عن التأثير في مجريات الأحداث، خاصة بعد رفض الولايات المتحدة وإسرائيل إشراكها في ملفات كبرى مثل غزة أو أوكرانيا، ما حولها إلى كيان ضعيف الحضور والتأثير
وفي ضوء ذلك، فإن استمرار هذا النهج العدواني ينذر بتداعيات خطيرة على النظام الدولي، ويُمهّد لموجة اضطرابات واسعة قد لا تتوقف عند فنزويلا أو غزة أو أوكرانيا، وانما تمتد إلى مناطق أخرى، في ظل فوضى عالمية محتملة.
وعندها، ستتحمل إدارة ترامب، ومعها سياسات حكومة نتنياهو، المسؤولية الكاملة عن النتائج التي قد تفرض نفسها على العالم بأسره