رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

شيخ الأزهر عالم قاوم التطرف وفضح الإسلاموفوبيا ودافع عن فلسطين

الشيخ مهاجري زيان
الشيخ مهاجري زيان

في السادس من يناير، لا تمرّ ذكرى مولد أحمد الطيب مرورًا عابرًا في الوجدان المصري والإسلامي؛ فهي ليست مجرد محطة زمنية في حياة رجل، بل وقفة تأمل في مسيرة عالمٍ جمع بين أصالة التكوين الأزهري، وعمق البحث الفلسفي، وحكمة القيادة الدينية في زمنٍ تعاظمت فيه التحديات، وتكاثرت فيه الأسئلة.

وُلد الإمام الأكبر في قرية القرنة بالأقصر، في بيئة صعيدية عريقة، تشربت القيم قبل الكلمات، وحملت العلم بوصفه أمانة ورسالة. نشأ في بيتٍ عُرف بالصلاح والعلم، فحفظ القرآن صغيرًا، وتلقى المتون على الطريقة الأزهرية الأصيلة، حيث لا ينفصل العقل عن النص، ولا يُفهم التراث إلا في ضوء المقاصد.

من أروقة الأزهر الشريف، شقّ الإمام الأكبر طريقه العلمي بثباتٍ وتفوّق؛ فاختار العقيدة والفلسفة، ذلك التخصص الدقيق الذي لا يلجه إلا من امتلك أدوات العقل، وسعة الأفق، والقدرة على الجمع بين الإيمان والتفكير. تدرّج في السلك الأكاديمي حتى بلغ درجة الأستاذية، وامتدت رحلته العلمية إلى فرنسا، حيث اطّلع على المدارس الفلسفية الغربية من مصادرها الأصلية، فزادته تلك التجربة عمقًا واتزانًا، لا انبهارًا ولا انغلاقًا.

لم يكن الدكتور أحمد الطيب عالمًا منغلقًا في برجٍ أكاديمي، بل كان حاضرًا في قضايا أمته، مشاركًا في المؤتمرات الدولية، ومحاورًا للثقافات، وممثلًا للإسلام في أرقى منابر الحوار العالمي. وفي كل ذلك، ظلّ الأزهر مرجعيته، والوسطية منهجه، والإنسان كرامته العليا.

وحين تولّى منصب مفتي الديار المصرية، ثم رئاسة جامعة الأزهر، وأخيرًا مشيخة الأزهر الشريف عام 2010، لم يكن ذلك تتويجًا لمسارٍ إداري، بل تحميلًا لأمانة تاريخية. فجاءت مواقفه شاهدة على استقلال العالم، وجرأة الحكيم، وثبات المرجعية. دافع عن وسطية الإسلام في مواجهة التطرف، كما واجه محاولات التسييس والاختزال، مؤكدًا أن الأزهر ليس تابعًا لسلطة، ولا صدى لتيار، بل ضمير أمة، وحارس منهج.

ولم يكن الإمام الأكبر أحمد الطيب يومًا عالمًا منعزلًا عن قضايا عصره، بل كان في مقدمة الأصوات الدينية التي واجهت موجات الإسلاموفوبيا عالميًا، كاشفًا زيف الخلط المتعمّد بين الإسلام والإرهاب، ومؤكدًا أن الكراهية لا تُحارب بكراهيةٍ مضادة، بل بعقلٍ عادل، وخطابٍ أخلاقي، ومواقف شجاعة.

كما ظلّ موقفه من القضية الفلسطينية ثابتًا لا لبس فيه؛ نصرةً للحق، ورفضًا للاحتلال، ودفاعًا عن كرامة الإنسان الفلسطيني، بعيدًا عن المزايدات والشعارات، وقريبًا من ميزان العدل الإنساني الذي لا يعرف ازدواجية المعايير. وفي كل ذلك، بقي الأزهر – بقيادته – شاهدًا على أن الدين حين يكون صادقًا، لا يصمت عن الظلم، ولا يساوم على الحق.

وفي عهده، استعاد الأزهر حضوره العالمي، وأسهم في إطلاق مبادرات كبرى للحوار والسلام، وأكّد أن الإسلام لا يُقدَّم للعالم بلغة الصدام، بل بمنطق الرحمة، والعدل، والعيش المشترك. فكان صوت الإمام الأكبر هادئًا في نبرته، عميقًا في حجته، قويًا في مبدئيته، حتى صار محل تقديرٍ دولي، واحترامٍ عابرٍ للثقافات والأديان.

إن الاحتفاء بمولد الإمام الأكبر أحمد الطيب هو احتفاء بقيمة العلم حين يقترن بالأخلاق، وبالدين حين يتحرر من الغلو، وبالقيادة حين تكون خادمةً للحق لا باحثةً عن المجد.
هو احتفاء برجلٍ ما زال، وهو في ذروة المسؤولية، يذكّر العالم بأن الإسلام رسالة هداية، وأن الأزهر سيبقى – ما بقي – منارة عقل، وحصن اعتدال، وملاذ أمان.

حفظ الله الإمام الأكبر، ومتّعه بالصحة والعافية، وجعل في عمره وعلمه بركةً لمصر، وللأزهر، وللإنسانية جمعاء.

تم نسخ الرابط