رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

سفينة نوح تعود إلى أرض مصر.. قصة نجاة في قلب الغربية

جانب من المشروعات
جانب من المشروعات

محافظة الغربية ليست مجرد مساحات جغرافية أو حدود إدارية على خريطة مصر، بل هي مساحة للتجربة الإنسانية، حيث يتقاطع العطاء مع الإبداع، والحاجة مع الرحمة؛ هنا، في قلب مجتمع ينبض بالحياة والعمل، تولد الأفكار التي تصنع الأمل، وتتحول الرعاية إلى فعل مستمر يغير مصير الإنسان.

ففي هذه المحافظة، يظهر مشروع الفلك كرمز فلسفي لمعنى النجاة والتجدد، فهو سفينة ليست على الماء، بل على أرض الواقع، تحمل بين جدرانها الحلم والكرامة للأطفال والشباب من ذوي الهمم.

ذوي القدرات الخاصة

بدأت القصة من قلب محافظة الغربية، وتحديدًا بقرية «حصة أكوة» بمركز كفر الزيات، مع بزوغ معالم مشروع فريد من نوعه، يجمع بين الإنسانية والتنمية المجتمعية، ويرسم ملامح نموذج متكامل لرعاية وتأهيل ذوي القدرات الذهنية الخاصة، وخاصة أطفال ومتلازمة داون؛ يُعرف هذا المشروع باسم «الفلك»، وقد صُمم على مساحة إجمالية قدرها 6332 مترًا مربعًا، ليكون بمثابة سفينة نوح الحديثة، تحمل في جوانبها الأمل والحياة الكريمة لمستفيديها، كما كان الفلك القديم وسيلة النجاة لبقاء الكائنات على وجه الأرض.

يتألف المشروع من مبنيين رئيسيين؛ الأول بمساحة 1473 مترًا مربعًا يتخذ شكل السفينة، والثاني ملحق بالمبنى الأول بمساحة 1050 مترًا مربعًا. وقد حُدّدت هذه التصاميم على غرار دراسات ميدانية لمشروعات مشابهة في إيطاليا وسويسرا، بهدف توفير بيئة تعليمية وتربوية متكاملة تجعل هذه الفئة من المجتمع عناصر منتجة ومؤثرة، لا مجرد متلقين للخدمات.

خدمات شاملة ومتنوعة

يقدم مشروع الفلك خدماته إلى 150 شابًا وفتاة فوق 18 عامًا كمقيمين دائمين بالمبنى، وإلى 150 شابًا وفتاة آخرين من سن 4 إلى 18 عامًا يترددون على المكان خلال ساعات النهار. وتشمل هذه الخدمات تنمية القدرات الحسية، الحركية، الذهنية والتعليمية، بالإضافة إلى ورش عمل حرفية تشمل النجارة، الكارتون، الحياكة وغيرها، لتأهيلهم لسوق العمل.

ويضم المشروع مجموعة واسعة من المرافق، منها عيادات طبية، صالات ألعاب رياضية، فصول تعليمية متطورة، غرفة إعاشة فندقية للمنتفعين، مصلى، مكتبة، مسرح للعروض الفنية، وغرف للموسيقى والفنون. كما يحتوي على مساحات خضراء، صوبات زراعية، ملاعب، مناطق ترفيه، ومقار للأنشطة الحرفية والإنتاجية، ما يوفر بيئة متكاملة للتنمية البدنية والذهنية والمهارية.

تنمية الأسرة والمجتمع

لا يقتصر دور المشروع على المستفيدين مباشرة، بل يمتد ليشمل برامج تأهيل وتدريب لأولياء الأمور، بهدف رفع وعيهم وقدرتهم على التعامل مع أبنائهم بطرق علمية ومدروسة. كما يوفر المشروع فرص عمل لأبناء القرية، ليكون جزءًا من منظومة التنمية المحلية، ويعزز من دمج ذوي القدرات الخاصة في المجتمع بطريقة فعّالة ومستدامة.

الاعتراف الرسمي والدولي

شهد افتتاح مشروع الفلك حضورًا بارزًا على مستوى الدولة والمجتمع الدولي، حيث شارك فيه البابا تواضروس الثاني، والدكتور شوقي علام مفتي الجمهورية، وعدد من سفراء الدول الأوروبية، والدكتور طارق رحمي محافظ الغربية، بالإضافة إلى القيادات التنفيذية بالمحافظة. وقد أكد الدكتور طارق رحمي أن المشروع يُعد أول مشروع نموذجي متكامل في مصر والشرق الأوسط، متخصص في تأهيل ودمج ذوي القدرات الذهنية الخاصة وفق معايير علمية دقيقة.

من جانبه، قال الأنبا بولا، مطران طنطا وتوابعها، إن المشروع يمثل نموذجًا متفردًا للتنمية الشاملة، ويعمل على تقديم حياة كريمة وآمنة للأطفال والشباب، مع التركيز على تنمية مهاراتهم المختلفة، وتحويلهم إلى أفراد منتجين قادرين على التأثير في مجتمعهم.

التنمية البشرية والحرفية والفنية

فمشروع الفلك، بهذا التصميم الفريد والمرافق المتنوعة، ليس مجرد مؤسسة تعليمية أو رعاية صحية، بل مركز شامل للتنمية البشرية والحرفية والفنية، يربط بين التعليم والعمل والتدريب والتأهيل، ليصبح نموذجًا يُحتذى به في مصر والشرق الأوسط، ويقدم رسالة واضحة بأن الاستثمار في القدرات الخاصة هو استثمار في المستقبل والمجتمع بأسره.

وفي النهاية المشروع ليس مجرد مبنى، بل تجربة وجودية تؤكد أن المجتمع القادر على احتضان ضعيفيه هو مجتمع ينمو ويستمر، وأن الإنسان حين يُعطى الأدوات والفرص، يصبح قادرًا على الإبحار في محيط الحياة بثقة وإبداع.

تم نسخ الرابط