شحاتة زكريا يكتب: التريند أخطر من الأزمة
لم تعد الأزمات وحدها هي الخطر الحقيقي .. الخطر الأكبر بات في الطريقة التي نراها بها وفي السرعة التي نستهلكها ثم نلقيها جانبًا مع أول “تريند” جديد. فالأزمة بطبيعتها تحتاج فهما وتفكيكا وصبرا أما التريند فلا يحتاج سوى انفعال سريع وصورة مثيرة وجملة قاطعة تغني عن التفكير.
في زمن المنصات المفتوحة لم يعد الحدث هو ما يفرض نفسه بل ما يُدفع إلى الواجهة. تتزاحم القضايا الجادة مع موضوعات سطحية ويقاس الاهتمام بعدد المشاركات لا بعمق التأثير. هكذا تتحول الأزمات من قضايا تستوجب النقاش إلى موجات عابرة من الغضب المؤقت تنتهي قبل أن تبدأ معالجتها.
التريند لا يصنع وعيا بل يستهلكه. يُكثّف المشاعر ويُضعف التحليل يختزل الواقع في لقطات مجتزأة ويمنحنا شعورا زائفا بالمشاركة بينما نحن في الحقيقة نكتفي بالمشاهدة. الأسوأ أنه يخلق وهم المعرفة نظن أننا فهمنا كل شيء لأننا شاهدنا كل شيء دون أن نعرف السياق أو الخلفيات أو النتائج.
الإعلام في هذا المشهد يقف عند مفترق طرق. إما أن يكون مرشدا يشرح ويحلل ويُبطئ الإيقاع ليمنح العقل فرصته أو أن ينجرف خلف سرعة المنصات فيتحول إلى صدى للضجيج لا صانعا للمعنى. الفارق بين الدورين هو الفارق بين إعلام يبني رأيا عاما وإعلام يلاحق لحظة عابرة.
أما الخطر الأكبر فيكمن في اعتيادنا هذا النمط. حين يصبح الانتقال السريع من قضية إلى أخرى سلوكا يوميا نفقد القدرة على التركيز والمساءلة. تُستنزف طاقتنا النفسية ويتحول الغضب إلى عادة واللامبالاة إلى دفاع غير معلن عن الذات. عندها لا تنتهي الأزمة لأنها حُلّت بل لأنها استبدلت.
التريند أخطر من الأزمة لأنه يعلمنا كيف ننسى لا كيف نفهم. لأنه يدفعنا إلى رد الفعل بدل الفعل وإلى الانفعال بدل التفكير. وفي مجتمعات تُواجه تحديات حقيقية يصبح الوعي الهادئ ضرورة لا رفاهية وتصبح القدرة على التمييز بين ما هو مهم وما هو مجرد ضجيج مسألة بقاء عقلي قبل أن تكون خيارا ثقافيا.
في النهاية ليست المشكلة في المنصات ولا في سرعة العصر بل في تسليم عقولنا لإيقاع لا يرحم. الأزمة يمكن إدارتها لكن التريند حين يحكم المشهد يُربك الأولويات ويُبدد الانتباه. وبين هذا وذاك، يظل السؤال الأهم: هل نملك الشجاعة لنُبطئ قليلا… كي نفهم أكثر؟