رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

مي المرسي تكتب .. المقدّس لا يُفرَض بالضجيج

مي المرسي
مي المرسي

ليس كل ما يُبَث من مآذن المساجد عبادة، ولا كل ما يُقال باسم الله طاعة خالصة، العبادة فعل وعي، والدين خطاب رحيم، وما يحدث في كثير من مساجدنا اليوم هو عكس ذلك تمامًا.

تشغيل مكبّرات الصوت قبل الفجر بساعتين، بلا ضبط، بلا معيار، بلا فهم لمعنى الوقت أو الناس، تحوّل من شعيرة إلى عادة، ومن الذكر إلى ضوضاء قسرية، ومن النية الحسنة ـ إن وُجدت ـ إلى أذى جماعي.

النبي ﷺ حين أراد مؤذّنًا، لم يترك الأمر للمصادفة، ولم يقل أيّكم يؤذن، بل اختار بلالًا، لصوته نديّ، وهذا تذكير فقط لمن ينسى!، فالصوت في الأذان ليس تفصيلة، بل جوهر.

الأذان دعوة، والدعوة لا تُصرَخ، ولا تُلقى في آذان الناس كإنذار خطر، فكيف نقبل اليوم أصواتًا مبحوحة، مخارج حروف مكسورة، أداءً يُنفّر ولا يُقرّب، ثم نطالب الناس بالخشوع؟

حين يُساء إلى القرآن باسم القرآن.. القرآن نزل ليُتدبَّر، لا ليُشغَّل، ليُسمَع، لا ليُشوَّش، وحين يُذاع بصوتٍ مرتفع من أجهزة معطوبة، ومن أفواه لا تحسن الأداء، وبتداخل ثلاث أو أربع مساجد في حيّ واحد، فلا آية تُفهَم، ولا معنى يصل، ولا خشوع يُستحضَر، وهنا تحدث الجريمة الأخطر: أن يتحوّل كلام الله إلى مصدر إزعاج.


الناس ليسوا أعداء الله الذين يشتكون ليسوا ضد الدين، ولا ضد المساجد، ولا ضد الأذان، هم ضد الفوضى، وضد الجهل، وضد اختطاف المقدّس بلا وعي، في هذا البلد مرضى، وأطفال، وأناس يعملون ليلًا، وبشر أنهكهم الضجيج من كل اتجاه، فهل المطلوب أن نضيف الدين إلى قائمة ما يؤلمهم؟ فأيّ دعوة هذه التي تبدأ بإيذاء الناس؟

وزارة الأوقاف الغائب الأكبر، فالمهزلة ليست في وجود الأذان، بل في غياب التنظيم، في أن يصبح المؤذّن أيّ شخص، بلا اختبار، بلا تقييم صوتي، بلا مساءلة، المؤذن منصب ديني، والإمامة أمانة، والميكروفون سلاح ذو حدّين.

ما نحتاجه ليس إغلاق المساجد، بل إغلاق باب العبث اختبارات حقيقية، ضبط صارم لمستوى الصوت، تحديد واضح لما يُذاع ومتى، واحترام لعقل الإنسان وحقه في السكون.

الدين ليس صراخًا قال الله تعالى: "وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ" وقال النبي ﷺ: «إن هذا الدين يُسر»، فأين اليسر في اقتحام البيوت فجرًا؟ وأين الرحمة في إيقاظ الناس على صخب؟ وأين الجمال الذي أحببنا به هذا الدين؟ الدين لا يحتاج إلى ميكروفون أعلى، بل إلى فهم أعمق، وصوت أجمل، وقلبٍ أرحم، العبادة التي تُنفّر الناس ليست نقصًا في الإيمان، بل خللًا في الفهم، والسكوت عن هذا الخلل مشاركة فيه.

تم نسخ الرابط