شحاتة زكريا يكتب.. بلد تصنع معجزتها… وصوت يصرخ: كفى تشاؤما
هناك لحظة في عمر كل أمة تشبه الوقوف على حافة جبل عال… الرياح حولك عاتية والضباب يغطي الطريق وصوتان يقتتلان في داخلك: صوت يقول لن نصل ، وصوت آخر يصرخ تقدم… فالقدرة تولد حين تُختبر.
ومصر اليوم تقف في تلك اللحظة الفارقة ، لحظة تصنع فيها معجزتها بيد ، وتواجه فيها التشاؤم بالأخرى.
ليس سرّا أن السنوات الأخيرة حملت أثقالا كبيرة اقتصاد يواجه عواصف عالمية مجتمع يطلب تحسين حياته ، وشباب يبحث عن فرصة تثبت إيمانه بأن الغد قد يكون أفضل من اليوم. ومع ذلك… تكمن المعجزة في شيء واحد: أن البلد لم تتوقف. لم تتراجع. لم تُسلم الراية لليأس ، ولم تترك الساحة للمتشائمين الذين ينظرون إلى نصف الكوب الفارغ ويرددون دون كلل: لا جديد… لا فائدة… لا أمل.
لكن الحقيقة التي تُخفى على العيون الكسلى أن تحت السطح ما هو أكبر وأعمق وأصدق.
هناك دولة تُعيد بناء نفسها من أساسها.
وهناك شعب يُثبت كل مرة أن صبره على الألم ليس ضعفا بل قوة كامنة تتحول سريعا إلى فعل.
في الاقتصاد… ظهرت قفزات هادئة لا يراها إلا من يقرأ التفاصيل: صناعات تُبعث من جديد ، خطوط إنتاج تخرج للنور مشروعات طاقة تعيد رسم مكانة البلد في الإقليم وممرات لوجستية تبني خريطة جديدة للمستقبل.
وفي المجتمع… هناك وعي يتشكل ، يرفض الخطاب السلبي ويتعلم أن البلد لا تُقاس بما ينقصها فقط ، بل بما تبنيه بما تتجاوزه ، وبما تخوضه من معارك صامتة لا تصل إلى الشاشات.
مع كل هذا… يظل التشاؤم صوتا عاليا.
صوتا يلوّح بالمشكلات دون أن يشير إلى الحلول.
صوتا يضخم المصاعب وينكر النجاح.
صوتًا يعيش على النقد دون أن يقدم بديلا أو فكرة أو خطوة للأمام.
ولذلك جاءت الحاجة إلى الصوت الآخر الصوت الذي ينتصر للحقيقة لا للوهم صوت يصرخ: كفى تشاؤما!
كفى لأن الوطن يبني ولو ببطء أحيانا.
كفى لأن اليأس لا يشق طريقا ولا يصنع مستقبلا.
كفى لأن الأوطان تقوم حين يصدق أبناؤها قدرتهم على تجاوز اللحظة مهما بلغت قسوتها.
مصر اليوم ليست بلدا يبحث عن معجزته… بل بلد يصنعها* بالفعل.
يصنعها في ممرات الغاز التي تربط الشرق بالغرب.
يصنعها في مدن جديدة تبني أسلوب حياة مختلفا.
يصنعها في مشروعات النقل التي تفتح أبواب الاستثمار.
يصنعها في اكتفاء دوائي وغذائي يتحقق يوما بعد يوم.
يصنعها في جيل جديد يطرق أبواب التكنولوجيا والذكاء الصناعي والصناعات المتقدمة.
المعجزة الحقيقية ليست في البناء وحده بل في الصمود.
في أن تستمر رغم الضغوط.
في أن تحاول رغم العوائق.
في أن تقول سأكمل حين يتوقع الجميع أنك ستتوقف.
وهذا هو جوهر الرسالة:
لسنا بلدا ينتظر الإنعاش… نحن بلد ينهض بالفعل.
وكل ما نحتاجه أن نرى المشهد كاملا ، لا قطعة منه ، وأن ندرك أن الطريق الطويل الذي بدأناه لا بد أن نكمله بنفس الإيمان الذي خطونا به أول خطوة.
صوت الوطن اليوم لا يريد خطابا لتجميل الواقع ، ولا شعارات فارغة ، بل يريد شيئا واحدا فقط: وعيا يعترف بأن الصعوبات حقيقية لكنه يؤمن بأن تجاوزها ممكن وأن المستقبل ملك لمن يعمل ، لا لمن يُردد التشاؤم بلا توقف.
إن معجزتنا لن تأتينا من الخارج ولن يكتبها أحد بدلا عنا…
معجزتنا تُصنع هنا:
في يد تبني وعقل يخطط وصبر يعرف أن الثمار لا تنضج في يوم وليلة.
تصنع هنا:
في كل عامل يواصل الليل بالنهار في كل شاب يرفض الاستسلام في كل أسرة تُكمل الطريق رغم الغلاء والتعب.
تُصنع هنا:
في وطن يقرر أن يكون أقوى من الظروف وأكبر من التحديات.
لذلك… إن كان لا بد من صرخة في وجه هذا الزمن فهي صرخة واحدة:
كفى تشاؤما… فبلدكم تصنع معجزتها خطوة بخطوة وأملا بامل ورؤية لا تنحني.
وإن كنا نريد مستقبلا أجمل فعلينا أن نراه بأعين تبني لا بأعين تخاف بقلوب تصدق لا بقلوب تُحبط وبروح تعرف أن مصر — رغم كل شيء — بلد لا يُهزم… إذا قرر أبناؤها أن يسيروا معه حتى آخر الطريق.