بين تعديلات جنيف وضبابية القرار السياسي… لماذا تتعثر خطة واشنطن–كييف الجديدة لإنهاء حرب أوكرانيا؟
تشير التطورات الأخيرة في ملف الحرب الأوكرانية إلى دخول المسار السياسي مرحلة شديدة التعقيد رغم ما يبدو من تقدم في محادثات جنيف بين الولايات المتحدة وأوكرانيا، والتي أسفرت عن صياغة مشروع خطة سلام جديدة مكوّنة من 19 بنداً فقط بدلاً من النسخة السابقة التي ضمّت 28 بنداً. وبينما تحاول واشنطن وكييف إعادة ضبط ميزان التفاوض، تكشف كواليس المفاوضات عن أزمة ثقة متبادلة، وضغوط متعددة الاتجاهات، وغياب قرار سياسي قادر على حسم الملفات العالقة.

تقول فاينانشال تايمز إن الوفدين الأمريكي والأوكراني خاضا محادثات استمرت لساعات طويلة في جنيف بهدف الوصول إلى مقاربة جديدة تنهي الحرب المستمرة منذ فبراير 2022. لكن اللافت أن النسخة المعدلة، بحسب وصف النائب الأول لوزير الخارجية الأوكراني سيرجي كيسليتسيا، لا تشبه تقريباً النسخة التي تم تسريبها سابقاً وأثارت غضباً كبيراً في كييف. ووفق كيسليتسيا “لم يبق سوى عناصر قليلة جداً من النسخة الأصلية”، ما يعكس حجم التحفظات التي واجهتها الخطة الأولى داخل أوكرانيا وعلى المستوى الأوروبي أيضاً.
من الواضح أن واشنطن اضطرت لإعادة حساباتها بعدما اتُّهمت خطتها الأولى بأنها “مؤاتية لروسيا”، خصوصاً في بنودها المتعلقة بالترتيبات العسكرية طويلة المدى. وكانت فكرة تحديد سقف للقوات الأوكرانية إحدى النقاط التي أثارت جدلاً واسعاً، قبل أن يوافق الجانب الأميركي على حذف البند نهائياً. ويُعد هذا التراجع مؤشراً على تحولات في رؤية واشنطن، خاصة بعد ضغوط مارسها الأوروبيون الذين عقدوا اجتماعاً مسبقاً مع كييف لتحديد أولويات مشتركة قبل الجلوس مع المفاوض الأمريكي.
لكن، وعلى الرغم من أن جلسات جنيف وُصفت بأنها “مكثفة ومثمرة”، فإنها لم تُفض إلى حسم القضايا الأكثر حساسية. وقد تم الاتفاق بين الطرفين على إحالة تلك الملفات إلى المستوى السياسي الأعلى، أي اللقاء المنتظر – أو المؤجل حتى الآن – بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. ورغم أنّ هذا اللقاء يُفترض أن يكون حاسماً، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت إنه “لا توجد أي خطط في الوقت الحالي” لعقد الاجتماع، ما يطرح أسئلة حول جدية الدفع الأميركي نحو اتفاق نهائي.
في قلب الأزمة الراهنة يكمن التباين بين الرؤيتين الأمريكية والأوروبية. ففي حين تسعى واشنطن إلى تحقيق اختراق سياسي سريع يتيح الإعلان عن مسار سلام قبل أي استحقاقات سياسية داخلية، تبدو أوروبا أكثر تشككاً حيال إمكان الوصول إلى حل قريب، خاصة في ظل استمرار الهجمات الروسية وتصريحات مسؤولين أوروبيين – وعلى رأسهم فرنسا – التي تؤكد أن موسكو “لا تظهر أي رغبة حقيقية في وقف إطلاق النار”. هذا التباين يزيد من صعوبة تشكيل ضغط دولي موحّد على روسيا.
كما أن كييف نفسها تقف أمام معادلة صعبة: فهي من جهة مضطرة إلى الانخراط في المفاوضات لأنها الطرف الأكثر تضرراً من استمرار الحرب، ومن جهة أخرى لا يمكنها القبول بأي اتفاق يظهر وكأنه تنازل سياسي أو عسكري، خاصة بعد التسريبات السابقة التي أثارت غضباً داخلياً واسعاً.
ويبقى الملف الأكثر حساسية هو غياب المسودة المعدّلة عن موسكو حتى الآن؛ فواشنطن لم تُسلّم روسيا الوثيقة الجديدة، ما يعني أن ما يجري حالياً لا يزال شكلاً من أشكال “التفاوض الداخلي” بين الحلفاء، وليس مفاوضات سلام فعلية. ومن دون إشراك موسكو، ستظل الخطة أداة ضغط سياسية أكثر من كونها إطاراً واقعياً لإنهاء الحرب.
في المحصلة، يبدو أن خطة البنود الـ19 تشكّل محاولة جديدة لإعادة هندسة مسار التفاوض، لكنها لا تزال أسيرة الحسابات السياسية، والضغوط الدولية، والتناقضات بين الأطراف. وحتى يتم اتخاذ القرار السياسي الحاسم من قادة الصف الأول، ستبقى الحرب مستمرة، والمفاوضات مفتوحة، والاتفاق مؤجلاً حتى إشعار آخر.
