سرّ لا ينام من عهد القدماء.. ماذا تخبئ أرض الشرقية؟
تحظى القطط بمكانة فريدة في الأساطير الشعبية عبر العالم، إذ ارتبطت منذ القدم بالقوى الغيبية والرموز الروحانية وقد رآها البشر على مرّ العصور تجسيدًا للحماية والحظ وحتى الشرّ، تبعًا للسياق الثقافي لكل حضارة.
أوروبا بالعصور الوسطى
ففي أوروبا خلال العصور الوسطى، ارتبطت القطط السوداء بالسحر والشعوذة، واعتقد الناس أنها رفيقات الساحرات. أما في الثقافات الإسكندنافية فقد حملت القطط معنى مختلفًا؛ إذ اعتبرها البحّارة رمزًا للحظ الجيد وحماية المنازل والسفن من المخاطر.
وفي أقصى الشرق، تحظى القطط في اليابان بمكانة مميزة بوصفها رمزًا للثروة والبركة، ويتجسد ذلك في تمثال "مانكي نيكو" الذي يُرفع فيه أحد الأذرع لاستقبال الحظ السعيد وجلب الرزق.

مصر القديمة
غير أنّ أعمق صور التقديس للقطط ظهرت في مصر القديمة، وتحديدًا في قلب محافظة الشرقية، حيث وُلدت أسطورة الإلهة باستت، إحدى أشهر أيقونات الحضارة الفرعونية. فقد نالت القطط منزلة رفيعة، حتى إنّ قتل قطة كان يُعدّ جريمة كبرى في ذلك العصر، وكان المصريون يقدمون لها القرابين أملاً في نيل الحماية والبركة.
وفي الشرقية، وتحديدًا بمنطقة تل بسطا بمدينة الزقازيق، ازدهرت عبادة باستت. ويعني اسم الموقع في اللغة المصرية القديمة "بر-باستت" أي بيت الإلهة باستت، مما يؤكد مكانته كأهم مراكز عبادتها عبر العصور. وقد جسدت باستت صورة القطة باعتبارها رمزًا للمرح والحب والأمومة والحماية من الأرواح الشريرة.
وتتناقل بعض الروايات الشعبية حكايات تفيد بأن روح باستت لا تزال ترفرف حول أطلال تل بسطا، فتظهر وفقًا للمعتقدات المحلية عند شروق القمر وكأنها تحرس أسرار المكان وتحمي ممراته القديمة.

احتفالات أسطورية على أرض الشرقية
يشير المؤرخ الإغريقي هيرودوت إلى أن مدينة بوباستيس —تل بسطا الحالية— كانت تشهد احتفالات ضخمة على شرف باستت، يحضرها عشرات الآلاف من أنحاء مصر. وتذكر المصادر أن عدد المشاركين كان يفوق سبعين ألف شخص، حيث امتلأت المنطقة بالرقص والغناء والقرابين والتماثيل التي تُقدم للإلهة، في مشهد يضفي على ليالي الشرقية طابعًا أسطوريًا ساحرًا تحت ضوء النجوم.
سرّ مقبرة القطط بتل بسطا
ومن أبرز الاكتشافات في الموقع ما يُعرف بـ جبانة القطط، وهي سراديب دفنت فيها آلاف القطط التي اعتبرت مقدسة. وتروي الحكايات الشعبية أن هذه القطط لم تكن مجرد حيوانات، بل "مكرّسة" لباستت، وأن أرواحها تعود إلى المكان لتحرسه وتحفظ قدسيته.

المعبر المقدس
يمتاز تل بسطا بمكانة تاريخية أخرى، إذ تشير المصادر المسيحية إلى أنه كان إحدى محطات رحلة العائلة المقدسة عند قدومها إلى مصر. وتدور بين الأهالي روايات عن آثار بركات ومعجزات يُعتقد أنها ظهرت بعد مرور العائلة المباركة، كالينابيع الصغيرة أو العلامات المنقوشة على الحجارة.
نقوش غامضة وطقوس مجهولة
ويضم الموقع نقوشًا حجرية مهمة تحمل أسماء ملوك وآلهة، غير أن بعض الصخور تحمل رموزًا يعتقد البعض أنها إشارات إلى طقوس سحرية أو دينية لم تُفك شيفرتها حتى الآن. وتقول بعض الحكايات المتداولة إن القطط المقدسة كانت تتحرك ليلًا في مواسم معينة، وكأنها حارسة للمدينة من الشرور.

وفي نهاية المطاف، تبقى القطط رابطًا عجيبًا بين الإنسان والعالم الروحي، تجمع بين الأسطورة والواقع. وفي الشرقية، تتجسد هذه الأسطورة بصورة فريدة في تل بسطا، حيث تمتزج قدسية الماضي بعراقة المكان، لتظل باستت رمزًا خالدًا بين صفحات التاريخ المصري.



