ظلال تتحرك على الخريطة .. ما الذي يحدث في الإسكندرية؟
بين الماضي والحاضر يعيش عشاق الإسكندرية ملامح مدينة تعاد ولادتها حيث تتبدّل الخرائط قبل أن يلتفت الزمن لتستيقظ عروس البحر المتوسط على مشروعات تطوير شارع النبي دانيال ليصبح ممشى تراثياً، وتطوير منطقة حلقة السمك، بالإضافة إلى مشروع لإحياء فنار الإسكندرية؛ تهدف هذه المشروعات إلى تعزيز الطابع التاريخي والثقافي للمدينة السياحة العريقة.
عروس البحر المتوسط
البداية كانت مع استعادة عروس البحر المتوسط روحها القديمة بمجموعة من المشروعات القومية التي حولت الأسكندرية إلى مركز جزب سياحي متكامل؛ حيث شهدت الإسكندرية، حركة عمرانية وثقافية غير مسبوقة تهدف إلى إعادة إحياء ملامحها التاريخية وصورتها الحضارية التي طالما ميّزتها عن سائر المدن الساحلية.

وفي إطار خطة شاملة لتطوير المناطق التراثية، عملت الأجهزة المختصة على تنفيذ ثلاثة مشاريع كبرى شملت تحويل شارع النبي دانيا إلى ممشى ثقافي تراثي، وكذا تطوير منطقة حلقة السمك، وإحياء فنار الإسكندرية القديم في صورة معلم حضاري معاصر، ونرصد تفاصيلها في هذا التقرير، من الجمهور الإخباري.
شارع النبي دانيا
يمتد شارع النبي دانيا في قلب الإسكندرية القديمة، ويمثل أحد أهم الشوارع التي زخرت عبر التاريخ بمبانٍ معمارية فريدة تجمع بين الطراز الكولونيالي واليوناني والإيطالي.
وبالرغم من أهميته الجغرافية والتراثية، ظل الشارع لسنوات طويلة يعاني من العشوائية، ازدحام الحركة المرورية، وتراجع حال المباني التاريخية، حتى تم تطويره
واكتسى شارع النبي دانيال حلة جديدة ضمن أعمال التطوير التي تقوم بها الإدارة المحلية؛ لتعزيز حضور الشارع بما يليق بالمكانة الحضارية والثقافية والسياحية للثغر المصري.

ملامح التطوير
شمل المشروع تحويل الشارع التاريخي إلى ممشى تراثي مفتوح للمارة، بحيث تم إغلاق جزء كبير منه أمام السيارات، وإعادة رصفه بالحجر الطبيعي، ليصبح وجهة للسياح ومحبي التجوال؛ وكذا ترميم المباني التاريخية ذات القيمة المعمارية مع الحفاظ على واجهاتها الأصلية وإزالة التشوهات البصرية التي لحقت بها عبر السنوات.
وكذا إنشاء مسارات خاصة لذوي الاحتياجات الخاصة لضمان شمولية الاستخدام واحترام الهوية الإنسانية للمكان، وإضافة إضاءات معمارية ليلية تسلّط الضوء على جماليات الواجهات وتمنح الشارع شخصية بصرية جديدة؛ كما تم فتح مقاهٍ ومكتبات صغيرة بطريقة تتوافق مع الطابع التاريخي، لتشجيع النشاط الثقافي والسياحي.
بهذه التغييرات، تحول شارع النبي دانيا إلى مركز جذب ثقافي يجمع ما بين الأصالة وروح العصر.

حلقة السمك
تمثل حلقة السمك أحد أشهر الأماكن الشعبية في الإسكندرية، ومرجعاً أساسياً لتجارة الأسماك بجميع أنواعها.
إلا أن طابعها الشعبي الذي كان يضفي عليها جمالاً خاصاً، تعرض في السنوات الماضية لقدر من الفوضى والعشوائية، ما استدعى وضع خطة شاملة لإعادة إحيائها بطريقة تحافظ على هويتها وتمنحها طابعاً حضارياً يليق بتاريخ المدينة.
خطة التطوير
شملت خطة التطوير إعادة تنظيم السوق الداخلي بالكامل عبر تصميم أكشاك حديثة تتوافق مع المعايير الصحية، مع الحفاظ على الطابع الشعبي المميز.
وكذا إنشاء ساحة خارجية لتناول المأكولات البحرية مجهّزة بمطابخ مفتوحة تخضع لإشراف صحي، بحيث تتحول المنطقة إلى وجهة ترفيهية بأسعار مناسبة.
كما تم تحويل محيط الحلقة إلى منطقة للمشاة مع إضفاء طابع بحري جمالي من خلال جداريات وزخارف مستوحاة من تراث الصيادين.
وكذا إضافة مركز صغير للتوعية بالتراث البحري بما يسلّط الضوء على تاريخ الصيد في الإسكندرية وأدواته التقليدية.
تسعى هذه الخطوة إلى دمج الماضي بالحاضر، وتوفير تجربة متكاملة تجمع بين الطابع الشعبي الأصيل والخدمات السياحية الحديثة.

فنار الإسكندرية
لا يختلف اثنان على أن فنار الإسكندرية، إحدى عجائب الدنيا السبع في العالم القديم، يشكل رمزاً خالداً للمدينة ولحضارتها عبر القرون؛ ومع أن الفنار الأصلي لم يعد موجوداً منذ عدة قرون، فإن حلم إعادته إلى الحياة ظل يراود المثقفين والباحثين والسكندريين على حد سواء.
المشروع المقترح لإحياء فنار الإسكندرية لا يستهدف إعادة بناء الفنار القديم بشكل حرفي، بل تقديم معلم حضاري ورمزي يستلهم تصميمه من الفنار التاريخي، ويضم برج رمزي مستوحى من الطراز الهيلينستي مغطى بإضاءات هندسية تعكس وظيفة الفنار الأصلية كمرشد للسفن.
وكمتحف تفاعلي لتاريخ الفنار يعرض نماذج، ووثائق، وخرائط تاريخية توضح مكانة الفنار في الحضارة القديمة،
كما تم اطلاق منصة مشاهدة بحرية تتيح رؤية بانورامية لخليج الإسكندرية؛ وكذا مركز ثقافي للمحاضرات والفعاليات بما يعيد إبراز دور المدينة كمركز علمي وثقافي منذ العصور القديمة.
بهذه الرؤية، يسعى المشروع إلى استعادة أحد أهم رموز هوية الإسكندرية، وإعادة ربط المدينة بماضيها المجيد.

الإسكندرية بين الماضي والمستقبل
تمثل المشاريع الثلاثة تطوير شارع النبي دانيا، وتجديد حلقة السمك، وإحياء فنار الإسكندرية خطوة كبيرة نحو تحقيق رؤية شاملة تهدف إلى استعادة روح المدينة التاريخية، وخلق بيئة حضارية جاذبة تعكس قيمة الإسكندرية كمدينة عريقة وعالمية.
إن هذه الجهود تؤكد أن الإسكندرية لا تكتفي بالوقوف على أطلال الماضي، بل تسعى إلى صنع مستقبل يليق بتاريخها، وتقديم نموذج يحتذى به في الجمع بين التراث والتجديد.



