رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

شحاتة زكريا يكتب: ما بين اللجان وصوت الشعب.. تتشكل شرعية أقوى مما يتصور البعض

شحاتة زكريا
شحاتة زكريا

حين تُفتح أبواب اللجان ويبدأ الناس فى التحرك نحو صناديق الاقتراع يظن البعض أن المشهد مجرد طقس دستورى أو إجراء روتينى لا معنى له. يظنونه حدثا عابرا يوما من الضجيج واللافتات والصور ، أو مناسبة لتسجيل حضور شكلى للدولة. لكن الحقيقة أن ما يحدث بين اللجان وصوت الشعب أعمق بكثير من هذه القراءة السطحية؛ هناك شرعية تُبنى ووعى يُتجدد وعلاقة بين المواطن والدولة تُعاد صياغتها بهدوء وثقة وثبات.

الانتخابات ليست ورقة تُوضع فى صندوق بل لحظة تعبير عن عقل جمعى يدرك مكانه فى اللحظة الراهنة. الدولة لا تبنى شرعيتها فقط من مؤسساتها أو قوانينها ، بل من الناس الذين يمنحونها القدرة على الاستمرار ومن المجتمع الذى يختار أن يضع كتفه مع كتفها فى معركة بناء المستقبل. وفى وقت تمر فيه المنطقة كلها بموجات اضطراب تبدو مصر وهى تنظم هذا الاستحقاق وكأنها تعلن للعالم: لدينا مؤسسات تعرف عملها ولدينا مجتمع يعرف طريقه. هذه ليست رسالة انتخابية بل رسالة استقرار.

لا تحتاج الدولة إلى أن ترفع صوتها أو تكرر خطابا تعبويا. مجرد أن ترى طوابير تمتد أمام اللجان ، أو مشاهد لمواطنين يتركون أعمالهم لبعض الوقت من أجل الإدلاء بصوتهم ، هو تعبير عن ثقة لا تُشترى عن رغبة فى قول كلمتهم وعن إحساس بأن صوت الفرد له وزن حتى وإن ظن البعض غير ذلك. من يقفون أمام اللجان ليسوا ممثلين فى مسرح سياسى بل شركاء فى معادلة صناعة القرار. والشرعية التى تولد من المشاركة ليست شرعية رقمية تُقاس بنسبة الإقبال بل شرعية شعورية تُقاس بمدى إيمان الناس بأنهم جزء من المشهد.

ولأن مصر عاشت سنوات طويلة تحمل فيها الدولة وحدها عبء المواجهة—سواء فى الإرهاب أو الاقتصاد أو البناء—فإن اللحظة الانتخابية تصبح مساحة نادرة يعيد فيها المواطنون إعلان شراكتهم. قد يختلفون فى الاختيارات وقد تتباين رؤاهم حول الأفضل لكنهم يتفقون على شيء واحد: أن البيت الكبير اسمه مصر وأن الحفاظ عليه ليس مهمة حكومة فقط بل مهمة شعب يعرف أن الأمن لم يعد منحة وأن الاستقرار ليس هدية وأن الشرعية لا تُصنع فى الغرف المغلقة، بل تُولد فى الشارع وبين الناس.

من يقول إن الانتخابات مجرد صورة فهو لا يفهم طبيعة الدول المستقرة. الصورة فى حد ذاتها جزء من صناعة الإدراك والوعى بالمشهد أهم من الحدث نفسه. وحين يرى المواطن أن الدولة قادرة على إدارة استحقاق انتخابى منظم بلا فوضى أو ارتباك وأن المؤسسات تعمل بتناغم والأمن موجود دون مبالغة والخدمات مستمرة دون تعطيل فإن هذا المشهد يُرسّخ فكرة أبسط وأعمق: هناك دولة قائمة وقادرة. وهذه الفكرة هى حجر الأساس فى أى شرعية.

الشرعية ليست صخبا بل تراكم ثقة. والثقة لا تُولد بين يوم وليلة لكنها تُبنى من مشاهد صغيرة تتكرر عبر الزمن: لجنة منظمة قاض يجلس على كرسيه بثبات مسؤول محلى يسهل حركة الناس طوابير لا تتزاحم لكنها لا تتوقف.كبار سن يتكئون على عصا لكنهم يصرون على المشاركة شباب يلتقطون صورا نساء يأتين بأطفالهن وجميعهم يشعرون أن هذه اللحظة تخصهم. هذا التراكم الهادئ يصنع شرعية أقوى بكثير مما يتصور البعض لأنها شرعية نابعة من الداخل لا من الخارج.

فى الإقليم من حولنا تُهدد الشرعيات كل يوم: دول تتآكل من الصراع أخرى تنهار بفعل الانقسام وثالثة تتخبط بسبب غياب مؤسسات قادرة. وفى هذا السياق تبدو مصر مختلفة؛ ليست لأنها بلا تحديات بل لأنها تمتلك معادلة لا يمتلكها كثيرون: مؤسسات صلبة مجتمع صبور ووعى شعبى يتشكل رغم محاولات التشويش. وهذا الثالوث هو ما يجعل اللحظة الانتخابية أكبر من مجرد حدث وأكثر أهمية مما يظنه المراقب العابر.

البعض يتساءل: ما أهمية صوت واحد فى مشهد مليونى؟ الإجابة أن الشرعية تُبنى من تراكم الأصوات الفردية لا من قرار فوقى. الدولة حين تستند إلى المشاركة تصبح أقوى وأقدر على المواجهة وأقرب إلى الناس. والمواطن حين يشعر أن صوته لا يضيع يصبح أكثر قدرة على تحمل صعوبات الطريق. هكذا تتشكل العلاقة بين الطرفين وهكذا تُكتب قصة الاستقرار فى مصر بينما تتغير ملامح المنطقة من حولها.

إن الشرعية التى تُصنع الآن ما بين اللجان وصوت الشعب ليست شرعية انتخابية فحسب بل شرعية مستقبل. هى إعلان بأن المجتمع لا يقف متفرجا، بل شريكا، وأن المواطن لا يكتفى بالتعليق، بل يمارس دوره. هى لحظة تقول فيها الدولة: ها نحن هنا ويقول فيها الناس: ونحن معكم.

وعندما تنتهى العملية الانتخابية ستبقى الصوروستبقى الأرقام لكن ما سيبقى أكثر هو الشعور العام بأن البلد قادر على أن يقف وأن يختار وأن يفكر وأن يتقدم. هذه هى الشرعية الحقيقية التى يصعب زعزعتها لأنها ليست وثيقة تُعلق على الجدران، بل عقد اجتماعى غير مكتوب بين دولة تعرف طريقها وشعب يعرف قيمته.

وفى زمن تتغير فيه الموازين بسرعة وتتبدل فيه التحالفات وتعيد القوى الكبرى حساباتها تبقى الشرعية الناتجة من صوت الناس هى الضمانة الوحيدة لبقاء الدول قوية والمجتمعات متماسكة والخرائط ثابتة.
وهكذا… ما بين اللجان وصوت الشعب تتشكل شرعية أقوى مما يتصور البعض وأعمق مما يتمنى خصوم البلاد وأرسخ مما تتوقعه حتى الدولة نفسها.

تم نسخ الرابط