“نزع السلاح النووي”.. خطة غامضة تجمع ترامب وبوتين وشي بين التهديدات والتجارب
في خطوة بدت مفاجئة حتى لأقرب المراقبين لسياساته الخارجية، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأربعاء أنه ربما يعمل مع روسيا والصين على خطة لنزع السلاح النووي، دون أن يكشف عن أي تفاصيل أو جدول زمني واضح لتنفيذها.
جاء ذلك خلال خطاب ألقاه في منتدى الأعمال الأميركي في ميامي، حيث قال ترامب: “أعددنا ترتيباتنا النووية، نحن القوة النووية الأولى، وهو أمر أكره الاعتراف به، لأنه فظيع للغاية”.
وأضاف: “روسيا في المرتبة الثانية، والصين في الثالثة بفارق كبير عنا، لكنهما ستلحقان بنا في غضون أربع أو خمس سنوات… ربما نعمل على خطة لنزع السلاح النووي، نحن الثلاثة، وسنرى ما إذا كان ذلك سينجح”.

تصريحات غامضة ورسائل مبطّنة
إعلان ترامب جاء غامضًا ومفتوحًا على التأويل، خاصة في ظل تصاعد التوتر بين القوى النووية الثلاث. فبينما تتحدث واشنطن عن "نزع السلاح"، تتزامن تصريحاته مع أوامر روسية بالتحضير لاحتمال استئناف التجارب النووية، ما يوحي بسباق توازن قوى جديد يُدار بوسائل الضغط المتبادلة.
ورغم أن ترامب لم يقدم خطة ملموسة، فإن حديثه عن التعاون الثلاثي يُفهم على أنه محاولة لخفض التصعيد النووي في ظل سباق تسلح يتسارع بوتيرة مقلقة منذ انهيار معاهدات الحد من التسلح بين واشنطن وموسكو خلال السنوات الماضية.
بوتين يلوّح بالاختبارات النووية
في موسكو، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال اجتماع مجلس الأمن الروسي الأربعاء، أن بلاده قد تستأنف التجارب النووية إذا أقدمت الولايات المتحدة على ذلك.
وقال بوتين إنه أمر وزارتي الدفاع والخارجية والأجهزة الأمنية الروسية بـ"جمع المعلومات وتقديم مقترحات بشأن التحضيرات المحتملة لإجراء اختبارات للأسلحة النووية"، مؤكدًا أن موسكو "سترد بالمثل على أي خطوة أميركية في هذا الاتجاه".
ولم تجر روسيا أي تجربة نووية منذ عام 1990، أي قبل عام من انهيار الاتحاد السوفياتي، ما يجعل عودة الاختبارات النووية تطورًا استثنائيًا يهدد بإعادة العالم إلى أجواء الحرب الباردة.
سباق التسلح يعود من بوابة القطب الشمالي
وفقًا لتقارير روسية، جاء تصريح بوتين ردًا مباشرًا على اقتراح وزير الدفاع أندري بيلوسوف ببدء التحضيرات لإجراء اختبار نووي في أرخبيل نوفايا زيملايا بالمنطقة القطبية الشمالية، حيث أجريت خلال الحقبة السوفياتية بعض أقوى الانفجارات النووية في التاريخ.
وكان بوتين قد أشرف في أكتوبر الماضي على تجربتين لصواريخ نووية استراتيجية، استثنت الرؤوس الحربية النووية لكنها حملت رسائل ردع واضحة للغرب.
البنتاجون يستعد لاختبارات “على قدم المساواة”
من جانب آخر، كان ترامب قد أعلن عبر منصاته على وسائل التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي أنه وجّه وزارة الدفاع الأمريكية لبدء اختبار الأسلحة النووية “على قدم المساواة” مع روسيا والصين.
لكن لم يتضح بعد ما إذا كان يشير إلى اختبارات للرؤوس الحربية نفسها، أم لتجارب محاكاة وتطوير تقني للأنظمة الحاملة مثل الصواريخ العابرة للقارات والغواصات النووية.
يأتي هذا التوجه وسط مخاوف من أن تؤدي استعادة واشنطن للتجارب النووية الفعلية إلى تقويض ما تبقى من النظام الدولي للحد من التسلح، بعد انهيار معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى (INF) وتجميد مفاوضات معاهدة “نيو ستارت”.
الصين تراقب وتتحضّر للّحاق بالسباق
من جانبها، تتابع بكين التصريحات الأميركية والروسية بحذر. ورغم أن ترامب قال إن الصين "ما تزال متأخرة بفارق كبير"، إلا أن تقارير استخباراتية أميركية تؤكد أن الجيش الصيني يسرّع برنامج تحديث ترسانته النووية، وأنه قد يمتلك أكثر من 1000 رأس نووي بحلول عام 2030.
ويرى مراقبون أن إدراج الصين في أي مفاوضات حول نزع السلاح النووي يُعدّ أحد أبرز التحديات، نظرًا لاختلاف عقيدتها العسكرية واعتمادها على مبدأ “الردع الأدنى” لا “التفوّق الكمي”.
من التعاون إلى التنافس
رغم حديث ترامب عن "خطة مشتركة"، إلا أن الواقع يظهر مشهدًا أكثر تعقيدًا:
- واشنطن تزيد ميزانيتها الدفاعية وتحدث صواريخها الباليستية والغواصات النووية.
- موسكو تطوّر أنظمة تفوق سرعة الصوت، وتلوّح باستئناف التجارب.
- وبكين تبني صوامع جديدة للرؤوس النووية وتوسع إنتاج البلوتونيوم العسكري.
ويخشى محللون أن تتحول تصريحات ترامب إلى غطاء سياسي لشرعنة سباق تسلح جديد، بدلاً من أن تكون مقدمة لتفاهمات حقيقية بشأن نزع السلاح.
قرن جديد من الردع النووي؟
باستثناء كوريا الشمالية، لم تجر أي دولة اختبارًا نوويًا فعليًا منذ بداية القرن الحادي والعشرين. ومع ذلك، فإن تصاعد التصريحات من واشنطن وموسكو قد يُعيد العالم إلى مرحلة الاختبارات العلنية والردع النووي المكشوف.
ويرى خبراء الأمن الدولي أن أي انزلاق في هذا الاتجاه قد يقوّض الأمن العالمي، ويشجع قوى إقليمية مثل إيران وكوريا الشمالية والهند وباكستان على توسيع برامجها النووية بدعوى “الردع المتوازن”.
