شحاتة زكريا يكتب: الاستدامة ليست شعارا.. إنها ثقافة وطن يتجدد
لم تعد كلمة الاستدامة ترفا لغويا يُردّد في المؤتمرات أو العناوين البراقة لتقارير التنمية بل أصبحت تعبيرًا عن طريقة جديدة في التفكير والعيش والإدارة، فالاستدامة ليست هدفًا بيئيًا ضيقًا بل فلسفة وطنية شاملة تُعيد تشكيل علاقة الإنسان بوطنه والمجتمع بموارده والدولة بمستقبلها.
في التجربة المصرية الحديثة لم تأتِ الاستدامة على استحياء ولم تُفرض بقرارات فوقية بل انبثقت من رؤية واعية ترى أن الحفاظ على مقدرات الأرض لا يقل أهمية عن بناء المصانع والطرق والمدن. فالدولة التي تسابق الزمن في التنمية أدركت أن العمران بلا وعي بيئي ليس تقدمًا، وأن النمو الاقتصادي الذي ينهك الطبيعة لا يصمد طويلًا، لأن التقدم الحقيقي هو الذي يُراعي الإنسان والمكان والزمان معًا.
مصر اليوم تبني مفهومها الخاص عن الاستدامة المتكاملة ليس من منظور الغرب بل من قلب تجربتها الحضارية الممتدة. فالبلد الذي علّم الدنيا الزراعة منذ آلاف السنين يعرف أكثر من غيره قيمة الماء والنيل والطمي والزرع ويعرف أن أي تنمية لا تصون مواردها هي تنمية عمياء، لذلك جاءت رؤية "مصر 2030" لتضع الاستدامة في قلب السياسات العامة لا في هامشها. من الطاقة النظيفة في بنبان إلى المدن الخضراء في العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة، إلى مشروعات إعادة التدوير والاقتصاد الدائري كلها خطوات تقول إن فلسفة الاستدامة صارت سلوكًا عامًا لا مجرد مشروع.
لكن ما هو أعمق من ذلك أن الدولة لم تتوقف عند البناء المادي بل انتقلت إلى بناء الوعي. فحين تتحدث مصر عن الاستدامة فهي تعني قبل كل شيء "ثقافة السلوك اليومي"، أن يعرف المواطن قيمة لتر من الماء وأن يتعامل مع الشجرة باعتبارها كائنًا حيًا يشاركنا الحق في الحياة وأن يدرك أن النفايات ليست عبئًا بل موردًا يمكن إعادة توظيفه، هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع التحول الكبير.
الاستدامة ليست مصانع للطاقة الشمسية فقط بل عقلية ترى في كل مورد أمانة لا ملكية، ليست مجرد تشجير أو تدوير أو تقنين للاستهلاك، بل هي وعي أخلاقي جماعي يربط بين ضمير المواطن وإدارة الدولة، إنها فكرة تقول إن الأرض ليست لنا وحدنا، بل لأجيال لم تولد بعد، وإن أعظم استثمار هو أن نترك لهم وطنًا قابلًا للحياة.
ولأن مصر تعرف معنى الحضارة الحقيقي فهي تدرك أن التنمية التي تستهلك الإنسان لا تُكتب في التاريخ. لذلك بدأت مؤسساتها تتحدث عن التنمية التي تُنصف البشر عن العدالة البيئية والاجتماعية معًا، عن العمل اللائق والسكن الكريم والنقل النظيف والمدن الذكية التي تحترم حق الإنسان في بيئة متوازنة.
من هنا يمكن القول إن ما يحدث في مصر اليوم ليس مجرد طفرة عمرانية، بل تحول حضاري في فلسفة التنمية، المدن الجديدة ليست امتدادًا أسمنتيًا، بل تجسيد لرؤية تؤمن أن البيئة ليست خصمًا من معادلة النمو، بل شريكا فيها، والطاقة المتجددة لم تعد بديلًا للطاقة التقليدية، بل صارت عنوانًا لمرحلة تتنفس وعيًا ومسؤولية.
لقد بدأت مصر تزرع "الاستدامة" في التعليم وفي الإعلام وفي سلوك المؤسسات، بدأت الفكرة تنتقل من الوزارات إلى المدارس ومن الخطط إلى العقول، والجيل الجديد الذي يكبر اليوم بين مبادرات التشجير وترشيد الطاقة وإعادة الاستخدام سيكبر وهو يحمل في وعيه بذرة جديدة: أن التنمية الحقيقية ليست أن نملك أكثر بل أن نحافظ أكثر.
إنّ ما يجعل التجربة المصرية مختلفة هو أنها تضع الإنسان في قلب كل معادلة، فالمواطن ليس مجرد مستهلك للموارد بل شريك في حمايتها، والمجتمع ليس متلقيًا للتنمية بل صانعًا لها، هذا التحول من “المشروعات الكبرى” إلى “الوعي الجمعي” هو جوهر الاستدامة الذي يجعلها ثقافة وطن لا شعار حملة.
في النهاية ستتغير المصطلحات والسياسات لكن الفكرة الباقية هي الوعي، الوعي بأن كل ما نبنيه اليوم سيُحاسبنا عليه الغد وأننا نكتب للأجيال القادمة فصلًا جديدًا في علاقة الإنسان بالأرض، ومن هنا فإن مصر لا تسعى إلى الاستدامة بمعناها الغربي البارد بل بمعناها الإنساني الحي: أن يتجدد الوطن كل يوم بالعمل والوعي وأن نحيا على هذه الأرض كما لو كنا نحرسها للأبد.