ياسمين عبده تكتب: من واشنطن هل يغير التصويت قواعد اللعبة الدولية؟
في واشنطن اليوم، لا تُجرى انتخابات فحسب… بل يُعاد اختبار زعامة العالم.
صوت الناخب الأمريكي لم يعد قرارًا داخليًا، بل زلزالًا يهز خرائط السياسة في كل القارات.
البيت الأبيض يتحول إلى مرآة يرى فيها الشرق والغرب مصيرهما، والعالم يحبس أنفاسه أمام مشهد يبدو ديمقراطيًا في الظاهر، لكنه يخفي خلفه معركة نفوذ لا تعرف الرحمة.
منذ الحرب الباردة، لم تُربك واشنطن نفسها كما تفعل الآن.
الانقسام السياسي يمزقها، والإعلام يشتعل كجبهة قتال، والشركات الكبرى تمسك بخيوط التمويل والرأي.
الانتخابات هذه المرة ليست منافسة على السلطة، بل على “من يملك قرار القيادة في القرن الجديد”.
فواشنطن لم تعد تتحدث باسم العالم، بل تحاول إقناع نفسها أنها ما تزال مركزه.
ترامب يعود كالعاصفة…
رجل يعيد للأذهان منطق القوة الفجة، والسياسة التي تُدار بالصفقات لا بالمؤسسات.
بينما خصومه الديمقراطيون يحاولون رسم صورة أكثر اتزانًا، لكنهم يقفون على أرضٍ رخوة، لا تعرف كيف تواجه واقعًا دوليًا فقد الإيمان بوعود واشنطن.
وفي النهاية، كلا الطرفين يُقاتلان على بقايا “النظام الأمريكي” الذي يفقد هيبته أمام أعين الجميع.
العواصم الكبرى تراقب، لكنها لا تنتظر التعليمات.
القاهرة تتحرك في هدوءٍ ووعيٍ كامل، تعرف أن خيوط اللعبة لم تعد تُحاك في الخارج فقط.
من غزة إلى البحر الأحمر، ومن ليبيا إلى القمة الأوروبية، باتت مصر حاضرة بثقلها ورؤيتها.
هي لا تنتظر من يحكم واشنطن، لأنها ببساطة تعرف من يحكم الميدان.
إنها الدبلوماسية المصرية الحديثة التي تكتب توازناتها بالعقل لا بالصوت العالي، وتفهم أن العالم يتغير بسرعة أكبر من أن تلحق به الخطابات الأمريكية المترددة.
أوروبا بدورها تبدو كمن فقد ذاكرته؛ لا تعرف إن كانت ما تزال ظلاً للبيت الأبيض، أم تبحث عن استقلال متأخر بعد أن أدركت أن واشنطن لا تحمي إلا مصالحها.
أما آسيا، فهي اليوم مسرح صامت لتنافسٍ لا يهدأ: الصين تبني امبراطوريتها الاقتصادية بصبر، وروسيا تنتظر سقوط الحلم الأمريكي لتعيد تشكيل قواعد اللعبة.
الاقتصاد العالمي على الحافة، لأن كل جملة تُقال في المناظرات الأمريكية ترفع أسعار النفط أو تهبط بالدولار.
هكذا أصبحت الديمقراطية الأمريكية أداة اضطراب أكثر مما هي أداة استقرار، وصار كل خطاب انتخابي سلاحًا يوجَّه للأسواق قبل أن يوجَّه إلى الناخبين.
لكن أخطر ما في المشهد ليس الانقسام ولا الصراع، بل فقدان الثقة.
الثقة التي جعلت العالم لعقود يصدق أن واشنطن قادرة على قيادة البشرية نحو نظام أكثر عدلاً.
أما اليوم، فقد صارت واشنطن هي التي تحتاج من يقودها خارج عاصفتها الداخلية.
لقد تحوّلت “الدولة النموذج” إلى ساحة تجريب للفوضى، والبيت الأبيض إلى مختبر تُختبر فيه قدرة الديمقراطية على البقاء وسط عاصفة الأكاذيب والإعلام والمصالح.
ورغم كل ذلك، هناك حقيقة واحدة ثابتة:
أن العالم لم يعد يُقاد من عاصمة واحدة.
مراكز القرار تتوزع، والمصالح تتشابك، والهيمنة تتحول إلى شراكات.
لقد انتهى زمن “القطب الواحد”، والعالم بدأ يكتب فصلاً جديدًا من تاريخه، قد تكون القاهرة فيه — لا واشنطن — صوت التوازن والعقل.
فمن يحكم العالم إذن حين تتلعثم واشنطن؟
ومن يملك صياغة الغد حين تسقط الأقنعة عن زعامةٍ أرهقتها تناقضاتها؟
ربما تكون الإجابة قد بدأت بالفعل… شرقًا.