قبل افتتاح المتحف الكبير، كيف أعاد المرمّمون المصريون لتوت عنخ آمون بريقه الذهبي؟
بعد أكثر من قرن على اكتشاف مقبرة الملك توت عنخ آمون، تعود كنوز الفرعون الذهبي لتتألق من جديد بين يدي أبناء الحضارة نفسها، المرمّمين المصريين، الذين أعادوا الحياة إلى آثارٍ خالدة طمرها الغبار لأكثر من ثلاثة آلاف عام.
150 خبيرًا في حفظ الآثار و100 عالم يعملون منذ أكثر من عقدٍ
ففي معامل الترميم المتطورة داخل المتحف المصري الكبير بالجيزة، عمل أكثر من 150 خبيرًا في حفظ الآثار و100 عالم آثار منذ أكثر من عقدٍ من الزمن، في صمتٍ مهيب، لإعادة رونق كنوز الفرعون الشاب، التي تضم أكثر من 5000 قطعة أثرية، أبرزها القناع الجنائزي الذهبي الشهير، وتوابيته المذهبة، وتمائمه وأطواقه المزخرفة، والعربات الملكية التي حملت رموز القوة والخلود.
يقول أحد المرممين، عيد مرتاح، الذي حلم منذ صغره بأن يلمس قناع الملك الذهبي: “درست علم الآثار بفضل توت عنخ آمون.. كان حلمي أن أعمل على كنوزه، وقد تحقق هذا الحلم.”

ذلك الحلم لم يكن شخصيًا فحسب، بل أصبح جزءًا من مشروع وطني ضخم استمر أكثر من عقد من الزمن، شاركت فيه مصر بالتعاون مع اليابان التي قدّمت دعمًا فنيًا وماليًا تجاوز 800 مليون دولار، وقد تدرب المرممون المصريون على أعلى المستويات التقنية في 19 معملًا متخصصًا تشمل الأخشاب والمعادن والمنسوجات والبردي والمومياوات، ما جعل المتحف المصري الكبير من أحدث مراكز الترميم في العالم.
رحلة الترميم: من التحدي إلى الإعجاز
واجه المرممون تحديات معقدة خلال التعامل مع القطع الأثرية التي لم تُمسّ منذ اكتشافها عام 1922 على يد البريطاني هوارد كارتر، فقد كشفت التحاليل أن بعض القطع كانت مغطاة بطبقات من الشمع استخدمها الكيميائي البريطاني ألفريد لوكاس في القرن الماضي لحمايتها. إلا أن هذا الشمع، ومع مرور الزمن، حجب التفاصيل الدقيقة وطفأ بريق الذهب.
بأدواتٍ دقيقة وعدساتٍ مكبّرة، بدأت المرممة هند بيومي وفريقها في إزالة تلك الطبقات بعناية شديدة لإظهار النقوش الدقيقة ولمعان المعدن الأصلي.وتقول بيومي: “العمل كان كمن يفكّ لغزًا ذهبيًا.. كل انحناءة وكل حرف هيروغليفي يحمل سرًّا لا يمكن المساس به.”
أما تابوت الملك المذهب فكان الأصعب والأغلى، وقد استغرق ترميمه سنواتٍ من الجهد الجماعي داخل معامل الخشب بالمتحف، حيث استعانت المرممة فاطمة مجدي بصور أرشيفية ووسائل تكنولوجية حديثة لإعادة تركيب صفائح الذهب الرقيقة، ووصفت عملها قائلة: “كل قطعة كانت لغزًا.. كنا نعيد التاريخ إلى مكانه، قطعةً قطعة.”
التاريخ ينهض من جديد
لم تكن مهمة المرممين فنية فقط، بل كانت رحلة وجدانية مع التاريخ والهوية، يقول المرمم محمد مصطفى، أحد كبار القائمين على المشروع: “هدفنا لم يكن التجميل، بل الاحترام.. أن نحافظ على روح القطعة كما صُنعت أول مرة، دون أن نضيف إليها ما ليس منها.”
وعلى مدى سنوات العمل، شكّل المرممون المصريون جسرًا بين الماضي والمستقبل، يعيدون بمهارتهم وولائهم للحضارة المصرية الوجه الذهبي لتاريخٍ لا يموت، ومع الافتتاح الكامل للمتحف المصري الكبير، سيقف الزائرون أمام كنوز توت عنخ آمون وقد استعادت بريقها الأول، لتكون شاهدة على أن مجد الفراعنة لا يُورَّث فحسب، بل يُعاد صنعه بأيدي أحفادهم.