رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

من إيطاليا إلى الأرجنتين ..الشعبوية لا تطعم خبزًا

ميلوني وميلي
ميلوني وميلي

من الأرجنتين إلى إيطاليا، تتكرر القصة ذاتها قادة يعتلون سدة الحكم على وقع شعارات مواجهة "النخب" واستعادة "إرادة الشعب"، لكنهم يجدون أنفسهم لاحقًا أمام أزمات اقتصادية عميقة، تتجاوز قدرتهم على السيطرة.
ففي الوقت الذي كان يفترض أن تعيد الشعبوية الثقة للمواطنين وتنعش الأسواق، أظهرت التجارب الحديثة أن الخطاب الشعبوي غالبًا ما يتحول إلى عامل زعزعة للاستقرار المالي، مع تضخم متسارع، وعجز في الموازنات، وتراجع ثقة المستثمرين.

تجربة الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، الذي وصل إلى السلطة وسط وعود بإحياء الاقتصاد، تعيد إلى الأذهان نماذج مشابهة في أوروبا وأمريكا اللاتينية، أبرزها تجربة جورجيا ميلوني في إيطاليا، حيث اصطدم الواقع الصعب بالشعارات الكبرى.

ميلوني وميلي 
ميلوني وميلي 

الأرجنتين.. بين تاتشر والبيزو المنهك

منذ وصوله إلى الحكم، تبنى ميلي سياسات اقتصادية متشددة شبيهة ببرنامج رئيسة الوزراء البريطانية الراحلة مارجريت تاتشر، عبر خصخصة واسعة وتخفيضات حادة في الإنفاق العام، وسقف صارم لقيمة العملة المحلية في محاولة لكبح التضخم.
وفي البداية، حظي بدعم صندوق النقد الدولي الذي رأى في خططه خطوة "شجاعة" لإعادة الانضباط المالي، لكن النتائج جاءت قاسية.

الاقتصاد الأرجنتيني، الذي يعاني أصلًا من ديون متراكمة واحتياطيات محدودة من النقد الأجنبي، دخل مرحلة ركود عميق. المستهلكون اتجهوا نحو الواردات الرخيصة، فيما تقلص الإنتاج المحلي، وأصبح ميلي عالقًا في معادلة مستحيلة: إذا خفّض قيمة البيزو، ارتفع التضخم مجددًا، وإذا حافظ على استقراره، تفاقم الركود.

تقرير صحيفة "الجارديان" البريطانية وصف الوضع بأنه "عاصفة محكمة"، مشيرًا إلى أن إنجاز ميلي الوحيد حتى الآن هو احتواء التضخم على حساب النمو. ويؤكد محللون أن الأزمة الراهنة ليست طارئة، بل امتداد لتاريخ طويل من الشعبوية الاقتصادية في الأرجنتين، التي أدت مرارًا إلى فقدان الثقة بالعملة، وانكماش الاستثمارات، وتكرار حالات التخلف عن السداد.

حتى الدعم الخارجي لم يكن كافيًا؛ إذ لجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتقديم قرض بقيمة 20 مليار دولار خلال ولايته، لكنه لم ينجح سوى في تأجيل الانهيار، لا منعه. واليوم، يرى مراقبون أن التجربة الأرجنتينية تمثل نموذجًا كلاسيكيًا لانهيار "وهم الشعبوية" الاقتصادية التي تعد بالرخاء وتورّط البلاد في أزمات أعمق.

إيطاليا.. الواقعية تبتلع الوعود الشعبوية

على الضفة الأخرى من الأطلسي، تخوض إيطاليا اختبارًا مشابهًا، وإن بدا أكثر تماسكًا.
في عام 2022، صعدت جورجيا ميلوني إلى رئاسة الوزراء على موجة من الغضب الشعبي ضد التقشف، مستثمرة الإحباط من تباطؤ نمو الأجور وارتفاع الأسعار. قدمت نفسها كصوت يميني قومي بديل عن "نخب بروكسل"، وأطلقت وعودًا بإعادة الاعتبار للطبقة الوسطى ووقف الهجرة.

لكن بعد عامين في الحكم، تجد ميلوني نفسها أمام واقع اقتصادي معقد. فإيطاليا، ثالث أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، تواجه عجزًا ماليًا متزايدًا وضغوطًا من أسواق السندات الأوروبية. أي انحراف عن سياسات ضبط الموازنة يثير على الفور قلق المستثمرين وارتفاع تكاليف الاقتراض.

ووفقًا لـ"الغارديان"، فإن ميلوني تمثل الوجه الجديد للشعبوية الأوروبية "المقيدة"؛ فهي لم تنسحب من اليورو كما وعدت سابقًا، ولم تتخلَّ عن التزاماتها تجاه الاتحاد الأوروبي، لكنها أيضًا لم تستطع تنفيذ وعودها الجذرية بإحداث "تحول اقتصادي" شامل.
وتشير التحليلات إلى أن ميلوني، مثل ميلي، تبني جاذبيتها على رفض التقشف، لكنها مضطرة عمليًا إلى تطبيقه للحفاظ على استقرار الأسواق – وهو تناقض جوهري في الشعبوية الاقتصادية الحديثة.

فاراج.. الشعبوية البريطانية في ثوب جديد

ولا تقتصر الظاهرة على أمريكا اللاتينية أو أوروبا القارية؛ ففي بريطانيا، يعود الزعيم الشعبوي نايجل فاراج إلى الواجهة من خلال حزب "الإصلاح"، مستغلًا الاستياء من تراجع مستويات المعيشة بعد كوفيد وحرب أوكرانيا.
تصفه "الجارديان" بأنه "بطل الشعب الذي يتحدث كالرجل العادي لكنه يعيش كوسيط مالي"، مشيرة إلى أن تناقضاته واضحة: فهو يدعو إلى خفض الإنفاق العام بحجة الانضباط المالي، بينما يعد بإعادة تشغيل مصانع الصلب باستخدام الفحم البريطاني – وهو نموذج للتناقض بين الخطاب الاقتصادي والواقع العملي.

دروس من التاريخ: الشعبوية تقود إلى الركود

دراسة حديثة نشرتها المجلة الاقتصادية الأمريكية حللت أداء 51 قائدًا شعبويًا بين عامي 1900 و2020، وخلصت إلى أن نصيب الفرد من الناتج المحلي ينخفض بنسبة 10% خلال 15 عامًا من وصولهم إلى السلطة، مقارنة بدول مشابهة لم تشهد حكمًا شعبويًا.

وأرجعت الدراسة السبب إلى تفكك المؤسسات، وتراجع الانضباط المالي، وغياب الاستقرار الكلي، وهي سمات متكررة لدى الأنظمة الشعبوية التي تميل إلى تركيز السلطة بيد القائد وتهميش الخبراء والمؤسسات المستقلة.

وتشير "الغارديان" إلى أن الشعبويين، رغم اختلاف توجهاتهم بين اليمين واليسار، يتشاركون سمة واحدة: الوعود بالسيطرة الشعبية على الاقتصاد، لكنها سرعان ما تصطدم بقيود الواقع المالي وأسواق السندات والديون الضخمة. وحتى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي قدم نفسه كرمز للنجاح الاقتصادي، لجأ إلى سياسات تدخل حكومي وضغوط على الاحتياطي الفيدرالي، ما قد يترك – بحسب الصحيفة – أثرًا طويل الأمد على توازن الاقتصاد الأمريكي.

بين الوعد والواقع

تُظهر تجارب الأرجنتين وإيطاليا وبريطانيا أن الشعبوية، مهما بدت جذابة في لحظات الغضب الشعبي، تحمل في طياتها خطر الانفصال عن منطق الاقتصاد الواقعي.
فبينما تعد الجماهير بالازدهار والكرامة الاقتصادية، غالبًا ما تنتهي إلى ركود، وتضخم، وديون ضخمة، تجعلها مضطرة لتبنّي نفس السياسات التي كانت تهاجمها.

وفي النهاية، يبدو أن الاقتصاد لا يخضع للشعارات؛ فالسوق لا تصوّت، والمستثمرون لا ينساقون للعواطف.
ولعل هذا ما يجعل كثيرًا من الخبراء يرون أن الشعبوية – يمينًا كانت أم يسارًا – هي وصفة سياسية مؤقتة، تنجح في تعبئة الشارع، لكنها تفشل في حماية الجيوب.

تم نسخ الرابط