قمة شرم الشيخ للسلام.. توافق دولي هش ورسائل متضاربة في خطاب ترامب أمام الكنيست
في أجواء إقليمية مشحونة وتحديات متزايدة في ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، جاءت قمة شرم الشيخ للسلام كمحاولة جديدة لإعادة إحياء مسار التسوية، بمشاركة دولية وعربية واسعة، أبرزها مصر والنرويج، والسلطة الفلسطينية، وسط مقاطعة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهو ما وصفه مسؤولون فلسطينيون بأنه "خبر مفرح".

ترافق انعقاد القمة مع خطاب مثير للجدل ألقاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام الكنيست الإسرائيلي، حمل رسائل متناقضة أثارت انتقادات واسعة، خصوصًا من الجانب الفلسطيني، الذي وصفه بأنه "انحياز فج" ومؤشر على توجه أمريكي نحو فرض "سلام القوة" بدلًا من السعي إلى سلام عادل.
ترامب وخطاب «السلام بالقوة»
قال محمود الهباش، مستشار الرئيس الفلسطيني، إن خطاب ترامب "ابتعد تمامًا عن السلام الحقيقي، وأعاد المنطقة إلى منطق الإخضاع".
وأضاف في مداخلة مع الإعلامية لميس الحديدي: "السلام المبني على القوة هو سلام مؤقت، لأن القوي لن يبقى قويًا إلى الأبد، ولا الضعيف سيبقى ضعيفًا. السلام الحقيقي هو ما بُني على العدالة والقانون الدولي، وهو ما يفتقده خطاب ترامب".
الهباش أشار أيضًا إلى أن أي محاولة للسلام لا يمكن أن تنجح في ظل وجود شخصيات مثل نتنياهو، معتبرًا أن "عدم مشاركته في القمة أمر إيجابي، لأنه منبوذ دوليًا ومسؤول عن دماء أطفال غزة، ولا يمكن أن يُنظر له كصانع سلام".

وجهة النظر الأمنية: إيران في قلب الخطاب
من جهته، رأى العميد محمود محيي الدين، خبير الأمن القومي، أن ترامب أطلق في خطابه رسائل واضحة موجهة إلى إيران، وربط بينها وبين فشل إسرائيل في حسم المعركة.
قال في تحليله عبر قناة "النهار": "ترامب اعترف ضمنيًا أن القصفات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل كانت سببًا في قيام واشنطن بتوجيه ضربة للبرنامج النووي الإيراني، مؤكدًا أن إسرائيل لم تستطع حسم المعركة، رغم تسلّمها للأسلحة".
ورغم لهجة التهديد، أشار محيي الدين إلى أن الولايات المتحدة لم تغلق باب التفاوض مع طهران، وأن هناك مشروعًا أمريكيًا يسعى إلى دمج إيران، ومن ثم باكستان، في إطار اتفاقات "السلام الإبراهيمي"، بما يعكس تحولًا استراتيجيًا في رؤية واشنطن للمنطقة.

رسائل انتخابية لا استراتيجية سلام
اعتبر الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن الخطاب يحمل دوافع انتخابية داخلية، أكثر منه خطة سياسية متماسكة.
وأوضح: "الخطاب موجه أساسًا للداخل الإسرائيلي ولليهودية المتشددة. ترامب أراد طمأنتهم أنه سيبقى الحليف الأوفى لإسرائيل، في وقت يعاني فيه من تراجع شعبيته في الداخل الأمريكي".
وأشار فهمي إلى وجود تناقضات وارتجال في محتوى الخطاب، متوقعًا أن يحمل ترامب رسائل مختلفة تمامًا خلال مشاركته بقمة شرم الشيخ.
صوت فلسطيني موحد: لا سلام بلا عدالة
من جانبه، قال السفير دياب اللوح، الممثل الدائم لفلسطين في القاهرة، إن القيادة الفلسطينية تعوّل على الدور المصري المحوري لوقف العدوان على الشعب الفلسطيني، مشيرًا إلى أن قمة شرم الشيخ تمثل فرصة سياسية مهمة لإنهاء الحرب وتحقيق سلام عادل ودائم.
وأكد اللوح، في لقائه مع الإعلامية أمل الحناوي، أن أولويات المرحلة الحالية تشمل: وقف دائم للعدوان الإسرائيلي على غزة والضفة، والحفاظ على وحدة الجغرافيا والنظام السياسي الفلسطيني، وتقديم الإغاثة العاجلة، وإعادة إعمار ما دمره العدوان.
جهود نرويجية وتحرك دولي
أما على الجانب الدولي، فقد شدد وزير خارجية النرويج، إسبن بارث إيدي، على أن بلاده تدعم مبادرة السلام المطروحة بقوة، وتعتبر قمة شرم الشيخ "محطة بالغة الأهمية".
وأشار إلى وجود خطة سلام مكونة من 20 نقطة طرحتها إدارة ترامب بالتعاون مع مصر وعدد من الدول العربية، موضحًا أن بلاده ستشارك في جهود:
إعادة إعمار غزة.
تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة.
دعم عودة السلطة الفلسطينية لتولي إدارة القطاع.
خاتمة: أي سلام نريد؟
تتقاطع الآراء الفلسطينية والدولية عند نقطة مركزية: “السلام لا يُبنى على السلاح والهيمنة، بل على القانون الدولي، العدالة، واحترام حقوق الشعوب”.
وبينما تروّج واشنطن لخطة تبدو في ظاهرها "سلامًا"، يراها الفلسطينيون مجرد محاولة لتثبيت واقع الاحتلال وتلميع صورة إسرائيل أمام العالم، خاصة في ظل الجرائم التي ارتكبت في غزة.
قمة شرم الشيخ ربما تمثل بداية جديدة، لكنها لن تكون كافية ما لم يُستبعد نهج "سلام القوة"، ويُعاد الاعتبار لمعادلة السلام المبني على الحقوق والمساواة.


