رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

دكتورة مها عبد القادر تكتب: الشغف والانسجام الداخلي بين الذات والإنسانية

دكتورة مها عبد القادر
دكتورة مها عبد القادر

يعد الشغف قيمة إنسانية أساسية، تتجاوز حدود الحماس العابر أو الانفعال اللحظي، لتصبح حالة وجودية شاملة تجسد التصالح مع الذات، والانسجام مع القيم العليا التي تمنح الإنسان معنى لحياته واتساقًا داخليًا، فالإنسان كائن باحث عن القيمة، وكلما ارتبطت أفعاله برؤية راسخة ومبادئ أصيلة، تحول الشغف إلى طاقة متجددة لا تنضب، تدفعه نحو الإبداع والبناء، ومن ثم يصبح الشغف منظومة فكرية ونفسية وروحية متكاملة، تعيد للإنسان توازنه الداخلي، وتعزز مناعته الوجدانية، ليصبح أكثر قدرة على الإنجاز والمثابرة، وأقدر على مقاومة الفراغ والتيه والعبث، فهو بوابة تفتح أمام الفرد دروب الإصرار، وتحول التحديات إلى فرص، والجهد إلى رسالة.

ويموج العالم اليوم بالاضطراب ويضج بالتحديات المتسارعة، الشغف أحد أهم الركائز التي تصون الإنسان من التيه وفقدان الغاية، وتمنحه القدرة على تحويل وجوده إلى مشروع متجدد لإنتاج القيمة وإبداع المعنى هو القوة الخفية التي تجعل للحياة بوصلة وللمسيرة هدفًا، وتتضح هنا العلاقة المتدخلة بين الشغف والانسجام الداخلي؛ فلا يمكن للشغف أن يزدهر في بيئة نفسية مضطربة أو قيمية متصدعة، فالانسجام الداخلي يشكل القاعدة الصلبة التي يرتكز عليها الشغف، فيحوله إلى طاقة متقدة لا تنطفئ، ومنبعٍ دائم للعطاء والإنجاز، ودرعٍ يحمي الإنسان من الفراغ، وبهذا المعنى يصبح الشغف والانسجام الداخلي ثنائية متكاملة تفتح للإنسان دروب التوازن والفاعلية والإبداع في عالم سريع التغير.

ويعد الشغف هو التزام داخلي أصيل بما يمنح الإنسان شعورًا بالجدوى والامتلاء، إنه حالة وجودية متكاملة يتجاوز فيها الفرد حدود النشاط المحدود إلى ارتباط وجداني وقيمي يدفعه لاستثمار جهده وطاقته فيما يؤمن أنه يستحق العطاء والبذل، فعلى المستوى النفسي، يعكس الشغف علاقة الإنسان بذاته، إذ يمنحه شعورًا بالرضا الداخلي والتحرر من الفراغ الوجودي، ويعيد إليه توازنه وقدرته على مواجهة ضغوط الحياة، وعلى المستوى الاجتماعي، حين يتجسد الشغف في أنشطة جماعية أو في عمل مشترك، فإنه يتحول إلى مصدر إلهام وتأثير إيجابي يفتح أمام الآخرين أفق المشاركة والفاعلية، ويعزز روح التضامن والإبداع الجمعي.

 أما على المستوى الروحي، فإن الشغف يبلغ ذروته حين يلتقي مع القيم العليا كالخير والعدل والجمال، فيمنح الإنسان شعورًا بالسمو والارتباط بأفق أوسع من ذاته الفردية، فيغدو جزءًا من رسالة إنسانية تتجاوز حدود الأنا، وبذلك يصبح الشغف جسرًا بين الداخل والخارج، وبين الواقعي والمثالي، وهو ما يفسر قدرته الفريدة على تحويل الطاقات الكامنة إلى إنجازات ملموسة، وجعل حياة الإنسان أكثر امتلاءً بالمعنى، وأقرب إلى الإبداع والخلود.

ولكي يتحول الشغف إلى طاقة متجددة لابد أن يستند إلى انسجام داخلي يربط بين العقل والقلب والروح، ويجعل الإنسان يعيش في إطار منظومة قيمية متوازنة، حيث تلتقي الميول بالأهداف، وتتناغم الطموحات مع الإمكانات، فالإنسان لا يبلغ الشغف الحقيقي إلا إذا بدأ بـالتصالح مع ذاته؛ فيقبل نقاط قوته وضعفه، ويسعى بوعي إلى تطوير ذاته دون إنكار أو مبالغة، فيصبح قادرًا على استثمار شغفه بما يجعله رافدًا للإنجاز 

كما أن الشغف الحق هو التوازن بين الطموح والواقع والإقبال علي الحياه، والقدرة على تحويل الأحلام إلى أهداف قابلة للتحقق وفق إمكانات متاحة ورؤية عملية، وهنا يبرز دور الانسجام الداخلي في ضبط هذا التوازن؛ فهو الذي يحول الاندفاع غير المحسوب إلى خطوات مدروسة، ويجعل الطموحات الكبيرة مشاريع قابلة للإنجاز، أما في مواجهة العبث والفراغ، فإن الانسجام الداخلي هو صمام الأمان الذي يحول دون انزلاق الشغف إلى نزوة عابرة أو انفعال مؤقت، فالإنسان الذي يفتقر إلى الانسجام قد يحترق في اندفاعه أو يضيع في تفاهات لا قيمة لها، بينما الإنسان المتوازن يجعل من شغفه حصانة ضد الضياع، ومصدرًا دائمًا لتحقيق الأهداف، وقوة تعطي لحياته اتجاهًا واضحًا، ومشروع حياة مستمر يتجدد مع كل تجربة وتحد، ليصوغ للإنسان وجودًا مليئًا بالجدوى والعطاء.

والتاريخ الإنساني شاهد ناطق بأن أعظم الإنجازات الحضارية والعلمية والفنية، كانت ثمرة شغف متقد عاش في قلوب أصحابها وأرواحهم، فالعلماء والفلاسفة والمبدعون والفنانون حملوا بداخلهم ارتباطًا عميقًا بما يفعلونه، وهو الارتباط الذي منحهم القدرة على مواجهة الصعوبات، وتجاوز الفشل المتكرر، وتحويل الإخفاقات إلى فرص للنمو والابتكار، وفي ميدان العلم، كان شغف الاكتشاف دافعًا للإبداع؛ جعل العلماء يواصلون التجريب لسنوات طويلة رغم قسوة الظروف أو تكرار المحاولات، حتى وصلوا إلى اكتشافات غيرت مسار الإنسانية.

 وكان الشغف بالجمال والمغزى في ميادين الفنون والآداب، سر الأعمال الخالدة التي تخطت حدود الزمان والمكان، وظلت تلهم الإنسانية عبر القرون، من قصائد وملاحم كبرى إلى لوحات ونصوص شكلت ملامح الوعي الجمعي، أما في القيادة والعمل العام، فقد كان شغف خدمة الوطن والإنسانية هو الوقود الذي حرك القادة الملهمين، فمكنهم من الصمود في مواجهة الأزمات، وتحويل معاناة شعوبهم إلى إرادة للنهوض، وبذلك صنعوا تحولات كبرى في مجرى التاريخ، فالشغف طاقة استراتيجية قادرة على تحويل الفرد إلى فاعل إيجابي في التاريخ والمجتمع، ودفعه إلى أن يكون شريكًا في صناعة الحضارة فهو القوة الكامنة التي تجعل من الإنجاز رسالة، ومن الإبداع أثرًا خالدًا، ومن القيادة مشروعًا للتغيير والبناء.

ويظل الشغف بحاجة ماسة إلى بيئة تربوية وثقافية حاضنة تغذيه منذ الطفولة، إذ تبدأ بذوره الأولى في الأسرة من خلال تشجيع الطفل على الاكتشاف، واحترام فضوله، والإصغاء لأسئلته بدلًا من قمعها، فالبيت الذي يزرع في أطفاله الثقة بقدرتهم على البحث والتجريب، يضع اللبنات الأولى لشخصيات مبدعة قادرة على تحويل شغفها إلى إنجاز، كما ينبغي في المؤسسات التعليمية، أن تتحول العملية التربوية من مجرد تلقين إلى فضاء محفز على الإبداع، يتيح للطلاب اختبار ميولهم، ويصقل قدراتهم عبر التعلم القائم على المشاريع والأنشطة العملية، حيث يصبح التعليم رحلة بحث وتفاعل يؤهل للممارسات الحياتية ويواكب سوق العمل.

وعلى المستوى المجتمعي، فإن نشر ثقافة تقدير الشغف والاحتفاء بالمبدعين يمثل خطوة حاسمة؛ فالمجتمع الذي يحصر النجاح في معايير مادية ضيقة يخسر طاقات بشرية هائلة، بينما المجتمع الذي يفتح أبوابه للاجتهاد، ويمنح الاعتراف لمن يسعون خلف شغفهم، يصنع بيئة خصبة للابتكار والتجديد، فبناء الإنسان المتوازن المبدع يتطلب تربية ترسخ الشغف كقيمة حياتية أصيلة، وتمنح الأجيال مساحات للتجربة والاختيار، ليصبح الشغف ليس مجرد نزعة شخصية، بل أسلوب حياة يوجه الفرد نحو العطاء، ويقود المجتمع نحو النهضة.

ويمكن صياغة رؤية إنسانية للشغف تقوم على اعتباره مشروع حياة متكامل يمنح الإنسان القدرة على التجاوز ويعيد توجيه طاقاته نحو ما هو أصيل، فالشغف الحق يقوم على تكامل التفكير العقلاني مع الوجدان، في توازن يحفظ للإنسان رشده وحماسه وحينما يتجذر الشغف في القيم الإنسانية العليا مثل السلام والحرية والعدالة، فإنه يتحول إلى طاقة بناءة تتجاوز حدود الفرد لتنعكس على المجتمع والعالم بأسره، فصبح الإنسان صاحب الشغف شريكًا في إقامة عالم أكثر عدلًا وإنسانية، وأكثر قدرة على صون الكرامة الإنسانية وبناء المستقبل.

 

 

تم نسخ الرابط