الحلقة 56.. شهادات وذكريات يرويها مصطفى بكري لـ«الجمهور».. أمريكا تتحدث عن البديل والإخوان يستعدون
فى يوم الجمعة 4 فبراير وبعد أحداث موقعة الجمل إحتشد ملايين المصريين فى الشوارع والميادين يهتفون «الشعب يريد تغيير النظام» حيث أمتدت المظاهرات إلى العديد من المدن والمحفظات.
فى هذا الوقت قالت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية إن واشنطن تناقش إقتراحًا مع مسئولين مصريين يتضمن إستقالة الرئيس حسنى مبارك من منصبه بشكل فورى.
وبثت شبكة الـ «بى بى سى» التليفزيونية أن عدد المتظاهرين فى ميدان التحرير قد تجاوز المليون متظاهر فى هذا اليوم رغم إغلاق الطرق المؤدية إلى الميدان وسط هتافات تطالب برحيل مبارك وتقول «ياشعب قوم من النوم، النهاردة آخر يوم».
كانت الأجواء فى البلاد تنذر بحدوث تطورات هامة وكان النائب العام المستشار عبد المجيد محمود يصدر المزيد من القرارت بمنع العديد من رموز النظام ورجال الأعمال من السفر خارج البلاد، وقد اصدر قرارات سابقة بمنع كل من أحمد عز أمين التنظيم بالحزب الوطنى الحاكم وحبيب العادلى وزير الداخلية السابق وزهير جرانه وزير السياحة السابق وأحمد المغربى وزير الإسكان السابق ورشيد محمد رشيد وزير التجارة والصناعة السابق (رغم إنه كان خارج البلاد) وغيرهم، وذلك على ذمة التحقيقات التى كانت تجريها النيابة العامة مع هؤلاء وغيرهم فى هذا الوقت.
كانت وسائل الإعلام العربية والأجنبية لا تتوقف عن التحريض ضد أمن البلاد وإستقرارها، وقد أستمرت قناة «الجزيرة» فى نشر المزيد من الأخبار الكاذبة والإدعاءات الرخيصة التى سعت إلى الإساءة لدور أجهزة الأمن والجيش المصرى.
وقد وضعت القناة فى هذا الوقت شعارًا على صدر موقعها الإخبارى يحمل عنوان «معًا لإسقاط مصر» مما أثار إنتقادات واسعة ضد القناة فى كافة أنحاء البلاد، فأضطرت إلى رفع هذا الشعار وظل مكانه خاليًا، وزعم موقع القناة بعد ذلك أن بعض القراصنة تمكنوا من إختراق القسم المخصص لصفحة الإعلانات فى الموقع، بهدف تشوية تغطية شبكة «الجزيرة» للأحداث الجارية فى مصر.
وفى هذا اليوم قالت المفوضة السامية لحقوق الإنسان فى الأمم المتحدة «نافى بيلارى» إن تقارير غير مؤكده تشير إلى مقتل 300 شخص وإصابة أكثر من 3 آلاف آخرين فى الإحتجاجات المستمرة فى مصر للمطالبة بإسقاط نظام الرئيس حسنى مبارك، وأهابت بالسلطات المصرية الإستماع لمطالب الشعب للقيام بإصلاحات جذرية لتعزيز حقوق الإنسان والديمقراطية وتفادى الإستخدام المفرط للقوة.
ودعت المفوضة السامية إلى إجراء تحقيق شامل فى الدور الذى لعبته قوات الأمن فى أعمال العنف التى وقعت خلال الأيام الماضية.
وقد شهد ميدان التحرير فى هذا اليوم القبض على بعض من أسموهم بـ «المتسللين» إلى الميدان وجرى حبس بعضهم فى زنزانة أقامها الإخوان والعناصر المتعاونة معهم داخل محطة المترو بالميدان.
بيان الإخوان
وقد أصدرت جماعة الإخوان بيانًا فى اليوم التالى السبت 5 فبراير علقت فيه على أحداث م أسمته بـ «الجمعة العظيمة» قالت فيه إن عدد من تظاهروا فى هذا اليوم بلغوا حوالىسبعة ملايين متظاهر طالبوا بمطالب عادلة ومشروعة يأتى على قمتها تغيير النظام وتنحى رئيسه، وقد أشاد بيان جماعة الإخوان بدور القوات المسلحة فى حماية المتظاهرين سلميًا ضد كل صور الإرهاب والبلطجة.
وقال البيان «إن الإخوان المسلمين يؤكدون على ما سبق أن أعلنوه بأنهم ليسوا طلاب سلطة، ولا منصب ولا جاه، ومن ثم فلن يرشحوا أحدًا منهم للرئاسة، ولن يزاحموا أحدًا، وإنما هم هيئة إسلامية جامعة تعمل على تحقيق الإصلاح الشامل فى جميع المجالات السياسة والإقتصادية والإجتماعية بكل وسائل التغيير السلمى الشعبى المتدرج، وتسعى لإستعادة الشعب لسيادته وحقوقه وتحترم إرادته وإختياراته.
وقال البيان معلقًا على دعوة الحوار التى طرحها السيد عمر سليمان «إننا نقبل بالحوار إذا كان جادًا منتجًا مخلصًا يبتغى المصلحة المصلحة العليا للوطن شريطة أن يتم فى مناخ يحقق إرادة الجماهير ومطالبها، وأن يكون حوارًا متكافئًا بهدف التوافق حول طريقة الخروج من الأزمة العنيفة التى أوصلنا إليها النظام، وعلى أن يبدأ النظام فى الإستجابة لمطالب الجماهير، وبمشاركة جميع الأحزاب والقوى السياسية والشعبية وإعلان ذلك فى إطار وثيقة تحدد كل الخطوات الزمنية لتنفيذها.
وأمام التصعيد الحاصل فى الميادين أدلى الفريق أحمد شفيق رئيس الوزراء بحديث إلى قناة العربية إستبعد فيه رحيل الرئيس مبارك عن الحكم وقال «إنه يستبعد تفويض الرئيس سلطاته لنائبه عمر سليمان»، وقال «إن بقاء مبارك رئيسًا مصدر أمان للبلد، ونحن نحتاج للرئيس لأسباب تشريعيه وأن مبارك خدم البلاد لمدة 30 سنة، وهو لا يحتاج البقاء لعدة أشهر إضافية.
وشدد شفيق «على أن مبارك لم يرتكب أخطاء فى حق الشعب المصرى» وأكد «إن الحكومة تقدم ضمانات أمنية للمتظاهرين بعدم ملاحقتهم أمنيًا، وإنها تجرى حوارات مختلفة مع المتظاهرين.
وفى حوالى الحادية عشرة إلا ربع صباح الجمعة 4فبراير، كان المشير حسين طنطاوى القائد العام ووزير الدفاع يتفقد ميدان التحرير للإطمئنان على الأوضاع حيث قام بالتحدث مع بعض المتظاهرين وطالبهم بالحفاظ على مصر.
مرحلة انتقالية
ذات اليوم طالب مرشد الإخوان محمد بديع بمرحلة إنتقالية يقودها السيد عمر سليمان وقال «إن التغييرات التى يتحدث عنها النظام فارغة ومازال الإستبداد مستمرًا، ولا حوار إلا بعد رحيل النظام المستبد»، وهو نفس ما أكد عليه الشيخ يوسف القرضاوى من قطر عندما قال «أقول لمبارك إختم حياتك بالرحيل، ألست مسئولًا عن الدماء التى تسيل؟»
ودعت الجامعة العربية إلى فتح تحقيق فورى بشأن الأحداث التى جرت فى ميدان التحرير، بينما قيل فى هذا اليوم: إن نائب الرئيس الأمريكى «بايدن» أبلغ الحكومة المصرية ايضًا بضرورة وقف العنف، كما إنه دعا السيد عمر سليمان نائب الرئيس إلى ضرورة إتخاذ خطوات موازية لأحداث إنتقال سلس للسلطة.
كانت أصوات المتظاهرين فى القاهرة والأسكندرية والمحافظات المختلفة ، تزلزل الأرض وهى تهتف «إعتصام ..إعتصام، حتى يسقط النظام» بينما تزايدت أعداهم بعد صلاة الجمعة فى كافة المحافظات.
وقد أعلن السفير محمد رفاعة الطهطاوى مستشار شيخ الأزهر عن تقديم إستقالته من الأزهر، مبررًا ذلك بالقول «حتى لا تحسب مشاركتى فى المظاهرات على الأزهر»، وكان ذلك قد جرى بإتفاق بينه وبين جماعة الإخوان التى لم تكن راضية عن شيخ الأزهر.
وأقام د. محمد البرادعى غرفة عمليات داخل منزله لمتابعة تطورات الأوضاع وإصدار البيانات حيث قال لقناة الحرة «إن هناك تفاوضًا دوليًا لتأمين مغادرة الرئيس مبارك، ولا أطمع فى أى منصب وأريد أن أرى مصر حرة وأكثر إشراقًا وأكثر بعثًا للأمل».
وهكذا بدا واضحًا تناقض الإخوان والبرادعى، فالذين أكدوا إنهم غير طامعين فى السلطة ولن يرشحوا أحدًا منهم للرئاسة هم أنفسهم الذين سعوا إلى الإنقلاب ضد حكومة الجنزورى لتشكيل حكومة بديلة من الإخوان، وهم أنفسهم أيضًا الذين قدموا مرشحًا للرئاسة تولى إدارة الحكم لمدة عام، كما أن البرادعى ظل يسعى حتى اللحظة الأخيرة فى تولى منصب رئيس الوزراء، وكان لا يكف عن تقديم نفسه لكل صناع القرار.
وفى هذا الوقت أيضًا خرج رئيس هيئة الأركان الأمريكية ليؤكد مجددًا ما قاله له الفريق سامى عنان أثناء زيارته للولايات المتحده فى الفترة من 24- 29 يناير من أن الجيش المصرى لن يفتح النار على المتظاهرين من ابناء الشعب المصرى وأنه سيبقى محايدًا بين مختلف الأطراف.
وكان الأقباط حاضرون فى الميدان، حيث وزع أحد الأئتلافات بيانًا يقول «إن الأقباط مع التغيير وأن ما يحدث هو إنتفاضه شعبية حقيقية، وأن الأقباط يشاركون فى المظاهرات منذ 25 يناير».
لقد إرتفعت فى ميدان التحرير شعارات الهلال والصليب معًا، وكان الأقباط يقومون بحراسة أشقائهم من المسلمين أثناء أداء الصلاة، وهو المشهد الذى كان بمثابة رسالة للجميع.
كان الأقباط يعانون أشد المعاناه من جراء الأحداث التى شهدتها البلاد، والتى كان أخرها فى هذا الوقت حادث كنيسة «القديسين» فى الأسكندرية الذى وقع بعد منتصف ليلة عيد الميلاد فى 1 يناير2011، وهو الحادث الذى أدى إلى وقوع عشرات الضحايا والمصابين، وأثار ردود أفعال واسعة فى داخل البلاد وخارجها، حتى أن الكونجرس الأمريكى عقد جلسة خاصة بعد الحادث لبحث هذه القضية، وهو الأمر الذى رفضه الأقباط ورفضته الحكومة ومجلس الشعب المصرى.
بيان البيت الأبيض
ومع إستمرار حالة الفوضى والصدامات فى البلاد أصدر البيت الأبيض الأمريكى بيانًا شدد فيه على ضرورة وقف العنف فى مصر والإستعداد لكافة السيناريوهات طبقًا لإرادة المصريين، وأصدر مجلس الشيوخ الأمريكى بدوره بيانًا دعا فيه إلى وجوب إنتقال سلمى للسلطة فى مصر فورًا، أما البرادعى فقد عاد ليسخر من الوضع السائد بالقول «أتمنى ألا يطلب الرئيس مبارك من الشعب أن يرحل.
وقام المتحدث بإسم البيت الأبيض بالرد على مواقف وتصريحات الرئيس مبارك بقوله: «حديث مبارك عن فوضى بعد رحيله غير مقبول، والإضطرابات فى مصر لن تنتهى دون خطوات ملموسة بإتجاه إنتقال السلطة»، وقال «روبرت جيبس» «إن هناك إجتماعات دائمة ومستمرة فى البيت الأبيض لبحث عدد من السيناريوهات بشان الأوضاع فى مصر».
وبعد عدة لقاءات وإتصالات أجراها الرئيس الأمريكى «باراك أوباما» مع المعنيين بالملف المصرى صرح بالقول: «إن عملية التفاوض لنقل السلطة فى مصر قد بدأت بالفعل، وإن إستمرار قمع المعارضة وسحقها لن يجدى ويجب حدوث إصلاحات حقيقية.
وعندما سئل أوباما خلال المؤتمر الصحفى الذى عقده مع رئيس الوزراء الكندى، عما إذا كان يتوقع تنحى الرئيس مبارك عن السلطة ام لا، فقد إلتزم الصمت ولم يجب على هذا السؤال.
أما الإتحاد الأوربى فقد أصدر بيانًا جديدًا طالب فيه السلطات المصرية أن تستجيب لمطالب الشعب بالإصلاح وليس بالقمع.
فى هذا الوقت أعلن الفريق أحمد شفيق رئيس مجلس الوزراء عن موقفه من جماعة الإخوان بقوله: «أتمنى اليوم الذى تكون فيه جماعة الإخوان جزء من المجتمع المصرى يعيش حياة طبيعية مثلنا تمامًا بعيدًا عن أى تحفظ وأقول بالفم المليان لن تكون هناك تفرقة»!!
لقد إستقبلت جماعة الإخوان هذا التصريح بإرتياح شديد، حيث أعتبر ذلك مؤشرًا بإيذان بدء مرحلة جديدة فى تاريخ علاقة جماعة الإخوان بالسلطة.
فى اليوم التالى السبت 5 فبراير عقد الرئيس حسنى مبارك إجتماعًا هامًا بمقر الرئاسة ضم رئيس الوزراء ووزراء المالية والبترول والتجارة والصناعة ومحافظ البنك المركزى بهدف بحث الأوضاع الإقتصادية والمالية فى البلاد فى ضوء تراجع البورصة وتوقف العمل بالعديد من المصانع والشركات وتأثير حالة الفوضى على الأوضاع الإجتماعية فى البلاد.
وفى نفس اليوم أعلن مصدر رسمى حكومى أن مجهولين فجروا محطة غاز مصرية على مقربة من الحدود مع قطاع غزة، وكانت تنقل الغاز إلى الأردن، وهو ما تكرر كثيرًا خلال الفترات اللاحقة، خاصة إستهداف خط الغاز الذى كان ينقل الغاز إلى «إسرائيل».
كانت الأحداث تتوالى بسرعة كبيرة، ومع الإعلان عن بدء الحوار مع القوى السياسية والأحزاب وشباب الثورة فى اليوم التالى مع السيد عمر سليمان نائب الرئيس، كان مبارك قد طلب من أعضاء هيئة مكتب الحزب الوطنى الحاكم تقديم إستقالاتهم بقصد تهدئة الشارع الغاضب والإعلان عن تشكيل هيئة مكتب جديدة بقيادة د. حسام بدراوى أحد ابرز قيادات الحزب والمعروف بمواقفه ضد التوريث فى هذا الوقت.
ولم يعط الكثيرون إهتمامًا لهذه القرارات، فقد كان المطلب الرئيسى للمتظاهرين خاصة فى ميدان التحرير هو رحيل الرئيس مبارك ونظامه عن الحكم.
المشاركة فى الحوار
كان المرشد العام للإخوان د. محمد بديع قد أعلن فى نفس هذا اليوم موافقة جماعة الإخوان على المشاركة فى الحوار المقرر فى اليوم التالى مع نائب رئيس الجمهورية، إلا أن الشيخ يوسف القرضاوى طالب فى خطبته فى صلاة الجمعة التى نقلتها قناة «الجزيرة» الجيش المصرى بأن يقوم بدوره ويمسك بزمام الأمور، ثم يسلم الحكم لرئيس المحكمة الدستورية العليا.
ودعا القرضاوى الجيش والشعب المصرى إلى عدم القبول بعمر سليمان رئيسًا بديلًا لحسنى مبارك وقال: «إن على الجيش ألا يسلم السلطة لنائب الرئيس، لأنه جزء من نظام حسنى مبارك الذى وصل للسلطة بطريقة غير مشروعة، كما أن رئيس مجلس الشعب لا يحق له إستلام السلطة لأن مجلس الشعب وصل بالإنتخابات المزورة..»!!
لقد كانت خطبة القرضاوى فى هذا اليوم هى التعبير الحقيقى عن موقف جماعة «الإخوان» غير أن الجماعة أجادت لعبة توزيع الأدوار حتى تمسك بكافة الخيوط فى أيديها.
ولم يكن الموقف الأمريكى والغربى يختلف كثيرًا عن الهدف الذى سعى إليه القرضاوى فى خطبته الشهيرة، حيث ظلت الضغوط تمارس بشدة على النظام تنفيذًا للمخطط..
لقد حذرت وزيرة الخارجية الأمريكية «هيلارى كلينتون» من عاصفة هوجاء فى الشرق الأوسط، وقالت إن بعض قادة المنطقة مخطئون فى القول أنهم محصنون عن المخاطر.
أما رئيس الوزراء البريطانى فقد كان أكثر وضوحًا عندما قال: «إن نقل السلطة فى مصر سيحقق أستقرارًا»، وقالت المستشارة الألمانية «إنجيلا ميركل»: «إن العالم سيندم أذا لم ننحز إلى المتظاهرين المطالبين بالديمقراطية، وأضافت «ثمة تغيير سيحدث فى مصر ولكن بشكل سلمى».
ومع تصاعد المواقف الداخلية والدولية ضد نظام الرئيس مبارك نشرت صحيفة «الجارديان» البريطانية المقربة من قطر تقريرًا خطيرًا فى هذا اليوم أكدت فيه أن ثروة الرئيس حسنى مبارك فى البنوك الخارجية بلغت حوالى 70 مليار دولار، وهو أمر أثار غضبًا واسعًا لدى أوساط الشعب المصرى الذين صمموا على رحيل مبارك وإعادة الثروات المنهوبة إلى البلاد.
ونشرت صحيفة «النيويورك تايمز» الأمريكية معلومات تقول: «إن مسئولين أمريكيين صرحوا بأنهم ناقشوا طرح إقتراح على الرئيس حسنى مبارك للإنتقال إلى منزله فى شرم الشيخ، أو أن يسافر إلى ألمانيا لإجراء فحوصات طبية، وذلك لتمكينه من ترك منصبه بهدوء..
لقد ظلت هذه المعلومات والتحليلات تتردد فى كل مكان، فتحدث صدى واسعًا فى أوساط المتظاهرين، بعد أن لعبت جماعة الإخوان الدور الأهم فى التحريض على تبنى خيار يفضى إلى رحيل مبارك عن الحكم.
كان اللواء حسن الروينى قائد المنطقة العسكرية المركزية يتولى جنبًا إلى جنب مع اللواء حمدى بدين قائد الشرطة العسكرية مهمة تأمين ميدان التحرير والمناطق الأخرى من مخاطر شتى، كان يراقب التطورات بدقة، وقد دعا اللواء الروينى المتظاهرين فى الميدان بعد عصر نفس اليوم إلى ضرورة الرحيل وترك الميدان وقال: «فيه ناس بيستغلوكم، والناس مش عارفة تاخد مرتباتها، فرد عليه المتظاهرون بأنهم لن يغادروا الميدان، ما لم يغادر مبارك الحكم وهتفوا فى مواجهته « مش حنمشى، هو يمشى»!!
وفى هذا اليوم وصل مساعد وزير الخارجية الأمريكى «ويليام بيرنز» إلى القاهرة مبعوثًا من الإدارة الأمريكية لبحث الأوضاع مع المسئولين المصريين، وقد أطلق «بيرنز» تصريحًا مناقضًا لمواقف الرئيس الأمريكى «أوباما» عندما قال «إن مبارك يجب أن يبقى فى السلطة خلال المرحلة الإنتقالية»
وقد تسبب هذا الموقف فى حدوث إرتباك شديد لدى الراى العام الدولى، مما أضطر هيلارى كلينتون إلى الرد على تصريحات المبعوث الأمريكى وإبعاده عن تلك المهمة فى هذا الوقت.
كان المخطط الإخوانى- الأمريكى يمضى سريعًا على أرض الواقع، وكانت الجماعة قد تمكنت من السيطرة على قيادة التظاهرات فى كافة المحافظات، وامسكت بزمام الأمور كاملة، وبدأت ترسم ملامح السيناريو الأخير لرحيل مبارك.
محلك سر!!
فى الخامس من فبراير، قرر الإخوان المشاركة فى الاجتماع الذى دعا إليه عمر سليمان فى اليوم التالى السادس من فبراير لتحقيق أكبر قدر من المكاسب السياسية وخوفا من فشل المظاهرات فى إسقاط النظام.
وفى هذا الوقت أشار أحد المستشارين على الرئيس بالحل الذى ظن أنه قادر على إنهاء الأزمة، إذ أعلنت الحكومة أنها أصدرت قرارًا برفع قيمة رواتب ومعاشات موظفى الحكومة وقطاع الأعمال العام بنسبة وصلت إلى 15% وبتكلفة إجمالية بلغت حوالى 6 مليارات جنيه..
عندما استمع رموز الإخوان فى ميدان التحرير إلى هذا القرار تخوفوا من تأثيراته على المتظاهرين، فراحوا يرددون أن هذه ليست سوى رشوة هدفها إسكات المتظاهرين وإنهاء المظاهرات، واشتعلت الهتافات تعلن رفض الانصراف وترك الميادين وراحوا يعلنون عن تصميمهم على الزحف إلى الاتحادية صباح الجمعة المقبل 11 فبراير 2011.
لقد أعلن الإخوان فى هذا الوقت رفضهم لموقف الرئيس بإصدار القرار رقم (54 لسنة 2011) بتشكيل لجنة دستورية برئاسة المستشار سرى صيام وعضوية د.أحمد كمال أبوالمجد ود.يحيى الجمل ود.إبراهيم درويش والمستشار أحمد مكى، ود.كمال نافع، ود.محمد عبدالعزيز ود.محمد أحمد، ود.كمال اللمعى ود.محمد حسين عبدالعال. لقد كانت مهمة هذه اللجنة هى تقديم اقتراحات بتعديل بعض المواد الدستورية، وعلى رأسها المواد 76، 77، 88، لتحقيق إصلاح سياسى يلبى طموحات الشعب فى مجال الانتخابات الرئاسية وما يرتبط بها من أحكام وما تتطلبه هذه التعديلات المقترحة من تعديلات تشريعية لبعض القوانين المكملة للدستور.
وبالرغم من أن الرئيس أعلن عن تشكيل لجنتين أخريين وهما (لجنة المتابعة) لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه بين أطراف الحوار الوطنى ولجنة (تقصى الحقائق) حول الأحداث التى شهدتها البلاد يوم 2 فبراير (موقعة الجمل) وإحالة ما يتم التوصل إليه من نتائج إلى النائب العام لاتخاذ ما يلزم من إجراءات، إلا أن ذلك لم يقنع المتظاهرين بالتراجع عن عزمهم الزحف إلى القصر الرئاسى.
لجنة الحكماء
فى هذا الوقت قررت (لجنة الحكماء) المكونة من عدد من الرموز الوطنية إصدار بيان يتضمن المطالب العشرة للمتظاهرين لعرضها على السيد عمر سليمان نائب الرئيس ورئيس الوزراء أحمد شفيق، حيث تضمنت تفويض نائب رئيس الجمهورية بتولى الإشراف على تحقيق الاتصالات السياسية لإنهاء الأزمة خلال 6 أشهر، ومن بينها إنهاء حالة الطوارئ، وحل مجلسى الشعب والشورى، ووقف إجراءات القمع والقبض على المتظاهرين، ومحاسبة المسئولين عن الغياب الأمنى، وضمان حرية التعبير فى جميع وسائل الإعلام، والبدء فى إجراء التعديلات الدستورية، واستبعاد جميع رموز النظام التى أساءت للشعب.
لم يرد الرئيس مبارك على هذا البيان وتعامل معه كأن لم يكن، وكان هذا هو حال سبيله مع كثير من الأزمات التى شهدتها البلاد لسنوات عديدة مضت.
تزايدت فى هذا اليوم حدة أعمال العنف فى العديد من المحافظات، بدأت الفوضى تتصاعد فى بعض المدن، ففى بورسعيد تم إحراق العديد من المؤسسات الحكومية وقتل خمسة أشخاص وأصيب آخرون، وفى الحامول بمحافظة كفرالشيخ تم فتح النار على رجال القوات المسلحة المسئولين عن تأمين مصنع السكر بالمدينة، وتم قتل أحد المهاجمين.
وتصاعدت الفوضى وعمليات قطع الطرق فى القاهرة والمحافظات، وتم القبض على 239 سجينًا هاربًا ومصادرة أكثر من 300 قطعة سلاح..
كانت البلاد تموج بالصراعات والأحداث التى تهدد كيان الدولة المصرية، غير أن الرئيس مبارك كان مصرًا على ممارسة نشاطه، ليبعث برسالة إلى الداخل والخارج تقول إن الدولة المصرية لاتزال مستقرة، وإن هذه الأحداث شأنها شأن أحداث أخرى شهدتها البلاد.
فى هذا الوقت استقبل الرئيس مبارك الشيخ عبدالله بن زايد وزير خارجية الإمارات الذى وصل القاهرة للاطمئنان على الأوضاع فى البلاد، واستقبل أيضًا مبعوثًا روسيًا حمل رسالة من الرئيس بوتين.
وراحت جماعة الإخوان تشيع فى هذا الوقت أن مبارك مصمم على تحدي مشاعر المتظاهرين وأنه مستمر فى ممارسة كافة سلطاته، وأنه لابد من التصعيد فى مواجهته لإجباره على التنحى عن السلطة فى البلاد.
وكان الرئيس قد أصدر قرارًا بإقالة هيئة مكتب الحزب الوطنى برئاسة السيد صفوت الشريف وتعيين هيئة مكتب جديدة برئاسة د.حسام بدراوى، وشهد هذا اليوم أيضا حدوث انفجار فى كنيسة «مارجرجس» برفح بالقرب من الحدود المصرية مع قطاع غزة بواسطة عناصر متطرفة خاصة بعد أن سقطت المنطقة كلها تحت سيطرة حماس والتنظيمات المتشددة، وأعلن فى هذا اليوم عن وفاة أحمد محمود الصحفى بالأهرام وسادت شائعات طائشة فى ميدان التحرير يوم 29 يناير.
وسادت شائعات كبيرة عن أن ثروة مبارك بلغت أكثر من 70 مليار دولار، وهو أمر زاد من حالة الاحتقان وحركة الاحتجاجات فى الميادين.