رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

شحاتة زكريا يكتب: الوعي الزائف وصناعة الرأي العام.. من يملك الحقيقة؟

شحاتة زكريا
شحاتة زكريا

لم تعد الحقيقة اليوم تُصاغ في غرف الأخبار ولا في مقرات صُنّاع القرار فقط بل تُصنع في هواتفنا الصغيرة وعلى شاشات مضيئة لا تنام. إننا نعيش زمنا أصبح فيه الرأي العام عملةً نادرة تتقاذفها رياح الإعلام الجديد وتتنازعها مراكز النفوذ حتى بات السؤال الأخطر: من يملك الحقيقة؟

لقد تغيّر وجه الوعي الإنساني. فبعد أن كان الرأي العام يتشكل عبر مسارات واضحة: صحف كبرى منصات إعلامية تقليدية مؤسسات فكرية وثقافية بات اليوم هشّا وعُرضة للتشويه في لحظات خاطفة. صورة مُفبركة تغريدة مجهولة المصدر ، أو مقطع قصير يقتطع من سياقه ، كفيلة بأن تهز ثقة الناس وتعيد تشكيل قناعاتهم. وهكذا صار الوعي الجمعي ضحية سهلة لصناعة الوهم وانقلبت المعادلة لتصبح الأكذوبة الأكثر تداولا أهم من الحقيقة الأقل بريقا.

ما يحدث ليس مجرد خطأ عابر في مسار الاتصال الإنساني، بل هو تحوّل استراتيجي يعيد رسم موازين القوى. فالرأي العام لم يعد نتاج نقاش فكري أو وعي تراكمي ، بل أصبح منتَجًا يُصنع ويُسوق بمهارة أشبه بمهارة صناعة البضائع. القوى التي تمتلك المنصات الكبرى والخوارزميات الذكية هي نفسها التي تحتكر مفاتيح العقول ، وتوجّه البوصلة نحو ما يخدم مصالحها السياسية أو الاقتصادية أو الأيديولوجية.

إن أخطر ما في الوعي الزائف أنه لا يفرض عليك أن تصدّق الكذبة بالضرورة بل يكفي أن يُربك إدراكك ويزرع الشك في داخلك. حينها تتساوى الحقيقة مع الوهم ويتحول الإنسان إلى متلق مرتبك لا يعرف أي طريق يسلك ولا أي موقف يتخذ. وهذه الحالة من الشك المستمر هي البيئة المثالية لسيطرة القوى الكبرى، التي تعلم أن العقول المرهَقة لا تُقاوم بل تخضع.

لكن هل نستسلم لهذا القدر من التلاعب بالعقول؟، الجواب لا يمكن أن يكون إلا بالسعي نحو تحصين الذات. فالمعركة اليوم ليست في امتلاك السلاح النووي أو النفوذ العسكري فقط ، بل في بناء وعي نقدي قادر على مقاومة التضليل. إن المواطن الذي يقرأ ويفكّر ويتحقق أقوى من ألف جيش يملك أحدث العتاد. فالأوطان لا تنهار بالحصار الاقتصادي وحده بل حين تنهار ثقة الناس بأنفسهم وبما يملكون من حقيقة.

من هنا تقع المسؤولية على المؤسسات التربوية والإعلامية والثقافية ليس في تقديم "معلومة" فقط ، بل في صناعة عقل يميّز ويُدرك. لا يكفي أن نُطالب بمواجهة الأخبار المزيّفة بحجبها أو منعها فهذا حل مؤقت سرعان ما يتجاوزه الواقع. المطلوب هو أن نُعلّم الأجيال مهارة التفكير النقدي وأن نزرع فيهم روح التساؤل: من قال هذا؟ لماذا قاله؟ ما الهدف من ورائه؟ حينها فقط يتحول كل مواطن إلى خط دفاع أول ضد التضليل.

وفي السياق ذاته يجب أن يتحلى الإعلام الوطني بالشجاعة الكافية لتقديم الحقيقة كاملة ، لا مجتزأة ولا مزوّقة. فالثقة بين المواطن ومؤسساته هي خط الدفاع الأهم. لا يمكن أن نطلب من الناس أن يواجهوا الأكاذيب بينما يفتقدون الشفافية في إعلامهم الرسمي. الوعي الحقيقي يُبنى على الصدق ، والصدق لا يُخيف ، بل يُعزز المناعة المجتمعية ويُحصّن الجبهة الداخلية في مواجهة أي محاولات اختراق.

العالم اليوم أمام مفترق طرق خطير؛ إما أن تستمر سيطرة "صُنّاع الوعي الزائف" الذين يبيعون الوهم في صورة حقائق ساطعة وإما أن تستيقظ الشعوب على حقيقة أن المعركة الحقيقية ليست في السيطرة على الأرض وحدها بل في السيطرة على العقول. هذه هي معركة القرن: من يملك العقل يملك المستقبل.

إننا أمام لحظة فارقة إما أن نكون جزءا من "مسرح التضليل" الكبير الذي يُدار من خلف الشاشات ، أو نختار أن نصنع وعينا بأيدينا ونُعيد للحقيقة مكانتها. والأمر يبدأ بسؤال بسيط لكنه مصيري: هل نحن مستعدون أن ندفع ثمن المعرفة الصادقة أم سنظل نعيش في وهم مجانيّ يُباع لنا على هيئة حقيقة؟

وفي النهاية يظل الوعي الحقيقي هو رأس مال الأمم. قد تُنهكنا الأزمات وتُحاصرنا الأزمات لكن ما دام عقل الأمة يقظا فلن تنهار. إن معركة الرأي العام ليست معركة عابرة بل هي امتحان يومي لقدرتنا على التمييز بين الظلال والضوء بين الحقيقة والزيف. ومن ينتصر في هذه المعركة يملك مفاتيح التاريخ.

تم نسخ الرابط