«وجه الغرب الخفي».. عندما خان «يويفا» مبادئ الإنسانية وتواطأ مع إسرائيل
في عالم يفترض أن تكون فيه الرياضة منصة للسلام والتقارب بين الشعوب، يكشف الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) عن وجهٍ آخر، يخالف الشعارات التي يرفعها عن النزاهة والعدالة والمساواة.
ففي الوقت الذي سارع فيه إلى تجميد نشاط المنتخبات والأندية الروسية بسبب الأزمة مع أوكرانيا، يغض الطرف تمامًا عن العدوان المستمر الذي تمارسه إسرائيل على المدنيين في قطاع غزة، بل ويواصل السماح لها بالمشاركة في كافة المسابقات القارية والدولية دون أي مساءلة.
هذا التناقض الصارخ يطرح تساؤلات جادة حول مصداقية الهيئات الكروية الكبرى، ومدى خضوعها للضغوط السياسية التي تحكم تحركاتها، وتكشف عن وجه الغرب الخفي الذي لا يتعامل بمعايير إنسانية موحدة، بل يكيل بمكيالين حين يتعلق الأمر بضحايا العدوان.

ازدواجية فاضحة.. إسرائيل بمنأى عن المساءلة
في 28 فبراير 2022، لم يتردد الاتحادان الدولي والأوروبي لكرة القدم في اتخاذ قرار صارم ضد روسيا، على خلفية العملية العسكرية التي شنتها على أوكرانيا، فقد تم تجميد عضوية المنتخبات الروسية، ومنع أنديتها من المشاركة في البطولات القارية، كما تم استبعادها من التصفيات المؤهلة لكأس العالم 2022، ودوري الأمم الأوروبية، إلى جانب غيابها التام عن تصفيات يورو 2024.
ذلك القرار قوبل آنذاك بترحيب كبير من وسائل الإعلام الغربية والدوائر الرياضية، باعتباره "موقفًا إنسانيًا" من فيفا ويويفا ضد ما وصف بـ"العدوان على أوكرانيا".
غير أن المشهد يبدو مختلفًا تمامًا عندما يتعلق الأمر بالعدوان الإسرائيلي على غزة، الذي أسفر عن مئات الآلاف من الشهداء والمصابين، أغلبهم من الأطفال والنساء، وسط دمار شامل للمنازل والمرافق الحيوية، دون أن يحرك الاتحاد الأوروبي لكرة القدم أو نظيره الدولي ساكنًا.


صمت مُخزٍ وتواطؤ مع إسرائيل رغم الجرائم اليومية
على مدار العامين الماضيين، وخصوصًا خلال العدوان المتصاعد في الأشهر الأخيرة، ارتكبت إسرائيل انتهاكات جسيمة ضد الشعب الفلسطيني في غزة، وسط تنديد أممي واسع، ودعوات لمحاسبة قادتها على جرائم حرب، ومع ذلك، واصلت الفرق الإسرائيلية المشاركة في البطولات الأوروبية مثل دوري المؤتمر الأوروبي والدوري الأوروبي، دون أي تعليق من يويفا.
بل إن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم قدم تسهيلات للفرق الإسرائيلية بإقامة مبارياتها في ملاعب محايدة بسبب "الظروف الأمنية"، بدلًا من اتخاذ موقف صارم كما فعل مع روسيا، ما يعكس تناقضًا فجًا في المعايير وتسييسًا واضحًا للرياضة يُفرغها من قيمها الإنسانية.

كرة القدم.. بين مبادئ العدالة ومصالح السياسة
ما حدث يسلط الضوء مجددًا على العلاقة المعقدة بين الرياضة والسياسة، والتي لطالما ادّعى الغرب فصلها، لكن الواقع المرير يؤكد أن المعايير مزدوجة، والقرارات تتخذ بناءً على حسابات سياسية لا علاقة لها بالمبادئ التي يُفترض أن تقوم عليها المؤسسات الرياضية الدولية.
وإذا كانت الرياضة بالفعل رسالة سلام، فكيف تُحرم منها دولة بسبب نزاع سياسي، وتمنح الحقوق كاملة لدولة ترتكب جرائم موثقة ضد المدنيين؟ ولماذا يُعاقب المعتدي في حالة، ويُكافأ في أخرى؟ أسئلة تكشف حجم النفاق الدولي الذي يطغى على المنظومة الكروية العالمية.
بينما تسقط القنابل على غزة ويُدفن الأطفال تحت الأنقاض، تظل مدرجات الكرة الأوروبية مفتوحة أمام ممثلي دولة الاحتلال، في مشهد يُجسد الفشل الأخلاقي والإنساني للاتحاد الأوروبي والدولي لكرة القدم.
لقد خسر يويفا كثيرًا من احترام الملايين الذين كانوا يظنون أن الرياضة فوق الانحيازات ورسالة سلام، وأن العدالة لا تعرف لونًا أو عرقًا أو دينًا، لكن الأيام أثبتت أن القيم قد تُداس حين تتعارض مع المصالح، وأن «وجه الغرب الخفي» لا يزال حاضرًا بقوة في ملاعب كرة القدم، بملامحه الاستعمارية ذاتها، ولكن بقناع وشعارات مزيفة.



