ياسمين عبده تكتب: الدوحة في مرمى الطائرات الإسرائيلية.. رسالة تهديد للعالم العربي
في التاسع من سبتمبر 2025، دوّى انفجار غير مسبوق في سماء الدوحة، أكثر من عشر ذخائر أطلقتها طائرات ومسيّرات إسرائيلية مزقت صمت العاصمة القطرية، مستهدفة اجتماعًا لقادة حركة حماس، بينهم خليل الحية، لمناقشة مقترحات دولية لوقف إطلاق النار في غزة، لم يكن الحدث مجرد ضربة عسكرية، بل إعلان صريح عن نهاية مرحلة، وبداية عصر لم يعد للقانون الدولي فيه أي وزن أمام منطق القوة الصارمة.
الأمم المتحدة على لسان أمينها العام أنطونيو جوتيريش وصفت ما جرى بـ”انتهاك صارخ” لسيادة دولة لعبت دورًا محوريًا في جهود التهدئة والإفراج عن الرهائن، من مصر والسعودية إلى الإمارات والأردن، تعددت بيانات الشجب والتحذير، لكنها لم توقف الطائرات، لتصبح الحقيقة واضحة لكل العرب: لغة الإدانات وحدها لا تصنع الأمن، والقوة وحدها هي التي تحدد قواعد اللعبة في منطقتنا.
الهجوم الإسرائيلي لم يكن ارتجاليًا، بل عملية محسوبة بدقة، شاركت فيها أكثر من خمس عشرة طائرة مقاتلة، تحمل رسالة صارخة: لا حصانة لأي دولة، مهما كان دورها الإقليمي أو السياسي، الرسالة كانت واضحة: الأمن والسيادة أصبحا امتيازًا لمن يمتلك القوة الصلبة، وليس حقًا ثابتًا حتى للدول الفاعلة، التراخي العربي أو الخلافات بين العواصم الخليجية والمغاربية والمشرقية تخلق فراغًا خطيرًا، يجعل الجميع عرضة للابتزاز أو الاستهداف المباشر، اليوم الدوحة، وغدًا من؟.
ما كشفته هذه الضربة لم يكن فقط عجز القانون الدولي، بل هشاشة النظام الأمني الجماعي، وانكشاف الدول العربية أمام اختبار بالغ القسوة، استهداف دولة وسيطة وفاعلة كقطر يوضح أن الغرب لا يتردد في فرض معادلات القوة على أي أرض عربية إذا لم يتمكن من تحييدها عبر النفوذ أو التفاوض.
الدرس الاستراتيجي واضح: العرب وحدهم مسؤولون عن أمنهم، ولن يحميهم أحد إذا لم يطوروا قدراتهم الدفاعية ويجمعوا الصفوف، الوحدة السياسية والعسكرية، وتقوية منظومة الردع الذاتي، أصبحت ضرورة قصوى، فلا مجال للرهان على “المجتمع الدولي” الذي يظل غالبًا متواطئًا بالصمت.
من الناحية التحليلية، ما حدث في الدوحة يعكس تحولًا جديدًا في قواعد الصراع الإقليمي: الصراع لم يعد فقط على الأرض أو عبر النفوذ السياسي، بل أصبح على سماء الدول وسيادة القرار، السيطرة الجوية والقدرة على استهداف أي موقع استراتيجي باتت أداة ضغط كبرى، تعيد رسم خطوط النفوذ، وتفرض سياسة الأمر الواقع على كل الأطراف العربية.
وفي هذا السياق، أرى أن الرد العربي يجب أن يكون استراتيجيًا، وليس شعارات فقط، بناء منظومة دفاعية مشتركة، تطوير القدرات الصاروخية والدفاعية، وتوحيد السياسات الخارجية هي الخطوات الضرورية لتجنب تكرار هذا المشهد المروع، فالدروس واضحة: من لا يملك أدوات الردع، يسقط بسهولة في عصر الموت القادم من السماء، ومن يفرّط في الوحدة، يخسر مصيره أولًا ثم مستقبل شعوبه.
الدبلوماسية وحدها لم تعد كافية، والسياسة التقليدية فشلت في ردع الأطراف المهيمنة، على العرب أن يفهموا أن الاستقرار والأمن لم يعودا منحة خارجية، بل حصيلة قدرة واقعية على الدفاع، وقدرة على الحسم الاستراتيجي. كل تأجيل للوحدة أو لتعزيز القوة سيكلف المنطقة ثمنًا باهظًا، والثمن ليس فقط سياديًا، بل يطال حياة ملايين البشر ومستقبل أجيال.
الدوحة اليوم ليست مجرد عاصمة مستهدفة، بل جرس إنذار لكل العرب: من لا يملك أدوات الردع والحماية، يسقط بسهولة أمام الطائرات المقاتلة أو أي تهديد جديد، المستقبل لن يمنح أي دولة فرصة للتراجع، ولا مجال للعب بالنار، من يتعلم الدروس من الدوحة ويستعد مبكرًا، سيكون قادرًا على حماية سيادته وكرامته، ومن يتغافل، سيكتشف يومًا أنه وحده أمام منطق القوة العارية.
هذا المشهد الدموي يضع العرب أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها: القانون الدولي لم يعد يحميهم، وحدهم القرار الموحد والقوة الحقيقية قادرة على صون السيادة، في عالم يتغير بسرعة، سيبقى من لا يجهز نفسه اليوم، ضحية الغد الحتمي، في زمن أصبحت فيه السماء ساحة الصراع الكبرى.