شحاتة زكريا يكتب: من الشاشة إلى الشارع كيف تُصنع عقول الناس اليوم؟
في زمن لم يعد فيه الإنسان يستيقظ على صوت المؤذن أو جرس المدرسة أو حتى دقات الساعة بل على رنين إشعار في هاتفه تبدو العقول اليوم وكأنها لم تعد تصاغ في قاعات الدرس أو على موائد الكتب بل تُعجن وتُشكّل على شاشات صغيرة نحملها في جيوبنا، السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: من الذي يصنع وعي الناس اليوم؟، هل هو الشارع بتجاربه ومواجهاته الحقيقية أم الشاشة التي تنقل إلينا نسخة مُمنتجة من الواقع مطبوخة على نار خفية؟.
لقد انقلبت المعادلة. في الماضي كان الشارع مصدرًا للخبر والشاشة مجرد وسيط ناقل، اليوم صارت الشاشة قادرة على أن تحرك الشارع، أن توقد الغضب أو تبرده، أن ترفع قضية إلى قمة الاهتمام العام أو تدفنها في زوايا النسيان، بضغطة زر يمكن أن يتحول حدث صغير في ركن من العالم إلى عاصفة رأي عام وبالزر نفسه يمكن أن يُمحى حدث دموي من الذاكرة الجمعية كأنه لم يكن.
الأخطر أن الشاشة لا تقدم الواقع كما هو بل كما تريد، الكلمات تخضع للاقتطاع، الصور للتصفية، والمشاهد للمونتاج، وهكذا يتشكل وعي الناس من مقاطع قصيرة من عناوين مثيرة، من "تريند" لحظي يعلو ثم يخبو ليترك وراءه عقلًا متعبًا يبحث عن معنى وسط الضجيج، وبدلًا من أن يكون العقل ناقدًا للصور صار أسيرًا لها منبهرًا بما تبثه دون تمحيص.
ولأن الوعي الجمعي لا يعيش في فراغ، فإن تأثير الشاشة ينساب سريعا إلى الشارع، القرارات السياسية لم تعد بمنأى عن ضغوط "الرأي العام الافتراضي"، والتجارة باتت تقوم على "سمعة" صُنعت عبر مقاطع ومراجعات وحتى العلاقات الاجتماعية أصبحت تُبنى وتهدم في فضاء رقمي قد يكون أبعد ما يكون عن الحقيقة، أصبحنا نرى مظاهرات تبدأ من "هاشتاج"، ونقاشات أسرية تنفجر بسبب منشور وصداقات تنهار لأن خوارزمية فضّلت خبرًا على آخر.
لكن هل الشارع استسلم تمامًا؟، الواقع يقول غير ذلك، فما يزال الشارع قادرًا على فضح زيف الشاشة حين تنكشف الحقائق على الأرض، حين يخرج الناس في مواجهة مباشرة مع أزمات حياتهم يصبح الواقع أبلغ من أي مونتاج، ومع ذلك يبقى السؤال: هل يملك الناس رفاهية التمييز بين ما تبثه الشاشة وما يعيشه الشارع؟، في كثير من الأحيان تختلط الصور بالواقع حتى يصبح من الصعب فصل أحدهما عن الآخر.
إن صناعة العقول اليوم لا تحدث في لحظة واحدة ولا في مكان واحد، هي عملية متراكبة تبدأ من إشعار على الهاتف تمر بحديث عابر في مقهى، تُختبر في نقاش على منصات التواصل ثم تُترجم إلى موقف في الشارع أو صندوق اقتراع أو حتى في لحظة صمت داخل البيت، وهذا التداخل بين الشاشة والشارع يجعل من المستحيل أن نزعم أن أحدهما يهيمن منفردًا؛ فهما معا يشكلان مسرح الوعي الحديث لكن بأدوار غير متكافئة.
ما يجعل الأمر أكثر تعقيدًا هو دخول الخوارزميات على الخط، لم يعد المحتوى الذي نراه على الشاشة بريئًا أو محايدًا بل خاضعًا لاختيارات برمجية تقرر ما الذي يجب أن نراه ومتى نراه وبأي ترتيب، وبذلك يصبح العقل الجمعي محاصرا داخل "فقاعات" من الأفكار المتشابهة يظن كل فرد داخلها أن العالم كله يشاركه الرأي، بينما الحقيقة أن هناك عوالم أخرى موازية لا يراها، وهنا تتضاعف خطورة الشاشة لأنها لا تكتفي بتضخيم بعض الأصوات وإخفاء أخرى، بل تصنع واقعًا بديلًا بالكامل ينعكس لاحقًا على الشارع كأنه الحقيقة الوحيدة.
ومع كل هذا يبقى الأمل، فالتاريخ يثبت أن الإنسان رغم كل محاولات التوجيه ظل قادرًا على التمرد، الوعي لا يموت حتى لو جرى تشويهه أو محاصرته، في لحظة ما حين يشتد التناقض بين ما تبثه الشاشة وما يعيشه الشارع ينكسر القالب ويخرج الناس إلى الواقع حاملين وعيًا مختلفًا قد لا يشبه ما أرادته الخوارزميات ولا ما خطط له المخرجون الكبار للسياسات.
من الشاشة إلى الشارع ومن الشارع إلى الشاشة يستمر شدّ الحبل على وعي الإنسان، هي معركة قديمة بثياب جديدة: معركة بين الحقيقة والزيف، بين الصوت والصدى بين الإنسان الذي يريد أن يرى بعينيه والآلة التي تصر أن يرى بعينيها.
الجواب على سؤال البداية – كيف تُصنع عقول الناس اليوم؟ – ربما ليس بسيطًا، لكنها بالتأكيد لم تعد تُصنع فقط في البيت أو المدرسة أو المسجد أو الشارع. إنها تُصنع في فضاء هجين نصفه واقع ملموس ونصفه واقع افتراضي، وهنا تكمن خطورة اللحظة وجمالها في آن: خطورتها لأنها تفتح الباب أمام تضليل غير مسبوق، وجمالها لأنها تمنح الإنسان فرصًا جديدة لإعادة اكتشاف نفسه، وإعادة بناء وعيه من جديد.
إننا اليوم أمام تحد غير مسبوق: كيف نعيد التوازن بين الشاشة والشارع؟ كيف نصنع عقلًا حرًا قادرًا على التمييز لا مجرد عقل مُلقّن يلهث خلف إشعارات وبرامج؟، الإجابة ليست سهلة لكنها تبدأ من إدراك الحقيقة: أن العقول أثمن من أن تُترك للشاشات، وأقوى من أن تُختزل في "تريند"، وأوسع من أن تُحبس في خوارزمية.