حكم الصور الفوتوغرافية بين التحريم والإباحة.. يسري جبر يكشف المسار الفقهي الكامل
تظل قضية حكم التصوير الفوتوغرافي من أبرز القضايا الفقهية التي أثارت جدلاً واسعًا على مدار القرن الماضي، نظرًا لارتباطها الوثيق بمستجدات الحياة الحديثة، ومع دخول آلات التصوير إلى العالم الإسلامي في بدايات القرن العشرين، انقسم العلماء ما بين التحريم والإباحة، قبل أن يستقر الرأي الفقهي في نهاية المطاف على جواز الصور الفوتوغرافية بضوابط محددة.
وفي هذا السياق، كشف الدكتور يسري جبر، أحد علماء الأزهر الشريف، تفاصيل المسار التاريخي والفقهي الذي مرت به هذه المسألة، موضحًا كيف تحولت من باب التحريم إلى الإباحة، وكيف فرّق العلماء بين الصور الفوتوغرافية والتماثيل المجسمة التي كانت ولا تزال من المحرمات القطعية.
بداية الخلاف الفقهي
أوضح الدكتور جبر أن ظهور التصوير الفوتوغرافي لأول مرة صاحبه موجة رفض شديدة من علماء الأمة، حيث كان أغلبهم يرون أنه يدخل في باب الصور المحرمة التي نُهي عنها في النصوص الشرعية.
وأشار إلى أن العلامة محمد الصديق الغماري، أحد كبار علماء المغرب وجدّ الشيخ عبد الله الصديق الغماري، كان يرى حرمة التصوير الفوتوغرافي، حتى إنه رفض وضع صورته في جواز السفر خلال فترة الاحتلال الفرنسي للمغرب وبسبب مكانته الدينية والاجتماعية الكبيرة، استثناه الاحتلال من هذا الشرط، فكان الوحيد الذي سافر لأداء الحج بجواز سفر بلا صورة شخصية.
ولفت الي أن هذه الواقعة تعكس قوة الاعتقاد بتحريم الصور في تلك الفترة، إذ ارتبطت بوعي العلماء بخطورة التماثيل والصور على العقيدة، استنادًا إلى ما ورد في القرآن والسنة عن عبادة الأصنام وصور المعبودات القديمة.
المطيعي ورأي جديد
وبيّن المطيعي أن الصورة الفوتوغرافية ليست من صنع الإنسان، بل هي انعكاس لما خلقه الله، مثلما تنعكس صورة المرء في المرآة. وقد استشهد بما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينظر في المرآة ويُصلح شعره، ولم يقل أحد إن هذا الفعل محرم.
واعتبر المطيعي أن آلة التصوير لا تُنشئ صورة جديدة، وإنما تحبس الظل الطبيعي، وبالتالي فهي مباحة شرعًا ما لم تكشف عن عورة أو تُستخدم في محرم. وهنا أوضح أن التحريم في هذه الحالة متعلق بكشف العورات أو الغاية السيئة، لا بعملية التصوير ذاتها.
التفرقة بين الصور
ويُضيف الدكتور جبر أن العلماء بعد هذا الرأي بدأوا في التفريق بين أنواع الصور، فجعلوا الفوتوغرافية مباحة لأنها لا تعتمد على صنعة الإنسان، بينما أجازوا الصور المرسومة يدويًا مع الكراهة، نظرًا لاعتمادها على التقليد المباشر لخلق الله.
وأشار إلى أن التماثيل التذكارية أو الفنية التي لا تُعبد تُعتبر من الصغائر، لكنها تبقى محرمة، بينما تظل التماثيل المعبودة مثل تماثيل الأصنام في الجاهلية أو تمثال بوذا في بعض الدول ضمن دائرة الكبائر.
الحكم النهائي المستقر
ولخص الدكتور يسري جبر إلى أن الفقه الإسلامي استقر في نهاية المطاف على أن التصوير الفوتوغرافي مباح، شريطة أن يُستخدم فيما لا يخالف الشريعة، مثل توثيق الأحداث أو إثبات الهوية أو الاحتفاظ بالذكريات العائلية.
وأكد جبر أن هذا التمييز يعكس مرونة الفقه الإسلامي وقدرته على التعامل مع المستجدات المعاصرة، دون الإخلال بالثوابت الشرعية، بحيث يوازن بين حفظ العقيدة ومواكبة التطور العلمي والحضاري.
صور اليوم وحكم الشرع
مع الانتشار الواسع للتصوير في عصرنا الحالي، سواء عبر الهواتف المحمولة أو الكاميرات الرقمية أو حتى الصور الملتقطة عبر الإنترنت، يرى العلماء أن الحكم الشرعي ذاته ينطبق عليها، باعتبارها مجرد انعكاس ضوئي محبوس، وليست صناعة لخلق جديد.
ويُشدد الفقهاء على أن الإباحة مشروطة بعدم استخدام الصور في نشر الفساد أو كشف العورات أو التشجيع على ما يخالف القيم الإسلامية. فالأصل في الأشياء الإباحة، لكن الغاية والمقصد هما ما يُحدد الحكم النهائي.