شحاتة زكريا يكتب: الاقتصاد الأخضر.. رفاهية نظرية أم ممر إجباري للبقاء؟
لم يعد مفهوم "الاقتصاد الأخضر" ترفًا فكريًا أو شعارًا دعائيًا يُرفع في المؤتمرات البيئية، بل تحوّل اليوم إلى قضية وجودية ترتبط بمصير الشعوب واستقرار الدول واستدامة الموارد، منذ عقود كان الحديث عن البيئة محصورًا في إطار النخب الأكاديمية أو الجمعيات الأهلية، بينما كانت السياسات الاقتصادية تُدار بمنطق العوائد السريعة والأرباح اللحظية، لكن التحولات المناخية التي عصفت بالعالم في العقدين الأخيرين جعلت الجميع يطرح السؤال الصادم: هل يمكن أن نستمر على هذا المسار دون أن ندفع الثمن غاليًا؟.
الاقتصاد الأخضر لم يعد خيارًا تجميليًا بل أصبح خط الدفاع الأول ضد كوارث متصاعدة، الأعاصير التي تضرب قارات بأكملها، وحرائق الغابات التي تلتهم ملايين الأفدنة سنويًا وموجات الجفاف التي تهدد الأمن الغذائي العالمي كلها ليست حوادث معزولة بل إشارات واضحة على أن النظام الاقتصادي القديم الذي يقوم على الاستنزاف دون تعويض لم يعد صالحًا للحياة.
لكن التحدي الأكبر أن التحول الأخضر يحتاج إلى تكلفة ضخمة، هنا يظهر الجدل: هل تستطيع الاقتصادات النامية – التي تكافح أصلًا من أجل النمو وفرص العمل – أن تتحمل هذه الفاتورة؟، أليست الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية والبنية التحتية الخضراء مجرد رفاهية تُناسب الدول الغنية أكثر مما تناسب بلدان تبحث عن الحد الأدنى من التنمية؟.
الحقيقة أن قراءة الواقع تكشف العكس، فالدول التي تراهن على تأجيل التحول الأخضر تدفع الآن فواتير باهظة نتيجة الكوارث المناخية من تراجع المحاصيل إلى نزوح الملايين بسبب شح المياه أو التصحر، أي أن تكلفة تجاهل الاقتصاد الأخضر أكبر بكثير من تكلفة تبنيه، والمفارقة أن الدول النامية التي تُشكل مناطقها الزراعية المصدر الأساسي للغذاء العالمي ستكون الخاسر الأكبر إذا استمرت في التعامل مع الملف كأنه هامش ثانوي.
مصر مثلًا وهي دولة ذات موقع استراتيجي وموارد طبيعية متنوعة أدركت مبكرًا أن الاقتصاد الأخضر ليس رفاهية بل ضرورة، من مشروعات الطاقة الشمسية في بنبان إلى خطط التحول نحو الهيدروجين الأخضر، ومن التوسع في النقل الكهربائي إلى تبني سياسات الحد من الانبعاثات كلها خطوات تُثبت أن الرؤية الاستراتيجية باتت تضع الاستدامة في قلب التنمية، والأهم أن هذه الخطوات تفتح أبوابًا جديدة للاستثمار وتوفر فرص عمل نوعية، وهو ما يثبت أن الاقتصاد الأخضر ليس عبئًا على النمو بل محركًا جديدًا له.
التحولات العالمية تؤكد نفس الاتجاه، الاتحاد الأوروبي يفرض الآن معايير بيئية على الواردات فيما يُعرف بآلية الكربون الحدودية، والولايات المتحدة خصصت مئات المليارات لدعم الصناعات النظيفة، والصين تُسابق الزمن في توسيع إنتاج السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة، هذا يعني أن الاقتصاد الأخضر لم يعد خيارًا سياسيًا بل أصبح معيارًا لقياس تنافسية الدول في الأسواق العالمية، من يتأخر في هذا السباق سيفقد موقعه في التجارة والاستثمار مهما كان حجمه أو تاريخه.
الأمر الأهم أن التحول الأخضر لم يعد مرتبطًا فقط بالبيئة بل بالعدالة الاجتماعية أيضًا، فالأحياء الأكثر فقرًا هي التي تعاني أولًا من تلوث الهواء والمياه، والمجتمعات الأقل دخلًا هي الأكثر هشاشة أمام الكوارث المناخية، إذن الاقتصاد الأخضر هو أيضًا اقتصاد إنساني، يربط بين حماية الكوكب وحماية الإنسان.
في النهاية السؤال الحقيقي ليس: هل الاقتصاد الأخضر رفاهية أم ضرورة؟ بل: هل يمكن أن نضمن بقاءنا بدونه أصلًا؟ الطريق لم يعد يسمح بالمناورة، من أراد مستقبلًا آمنًا لأبنائه ومن أراد اقتصادًا قادرًا على المنافسة والاستمرار، لا يملك إلا أن يسلك ممر الاستدامة، إنها ليست رفاهية للنخبة بل ممر إجباري للبقاء ومفتاح رئيسي لمعادلة الأمن والتنمية والكرامة الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.