رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

شحاتة زكريا يكتب: الوطن فكرة لا تنكسر حتى لو هُزمت الجيوش

شحاتة زكريا
شحاتة زكريا

الوطن ليس حدودًا تُرسم على الخريطة ولا علما يرفرف فوق المباني فقط. الوطن فكرة والفكرة حين تتجذر في الوجدان تصبح أقوى من الحديد والنار ، وأبقى من أي جيوش يمكن أن تنهزم أو تنتصر. فكرة الوطن تسكن القلب قبل الأرض ، وتستقر في الضمير قبل أن تُكتب في الدساتير.

التاريخ مليء بالأمم التي تعرضت لانكسارات عسكرية قاسية ، لكن ما بقي منها لم يكن جيوشها المهزومة ، بل فكرة الوطن التي لم تنكسر. فرنسا سقطت أمام جيوش الاحتلال النازي في الحرب العالمية الثانية ، لكنها لم تفقد روحها الوطنية بل ولدت من تحت الركام مقاومة أعادت لها كرامتها. اليابان عاشت مأساة الهزيمة والقنابل النووية لكنها لم تُدفن بل عادت أقوى لأنها آمنت أن الوطن فكرة لا تموت. وألمانيا التي قُسمت جدرانها عادت موحدة لأن فكرة الوطن ظلت مشتعلة في قلوب أبنائها.

الوطن ليس ساحة معركة فقط بل هو ذاكرة الأم التي تحفظ أسماء شهدائه وابتسامة الطفل الذي يحلم بمستقبله، ويد الفلاح التي تُمسك بالمحراث رغم الجفاف. كل هؤلاء يؤكدون أن الوطن فكرة والفكرة حين تتجسد في حياة الناس لا يمكن هزيمتها.

في مصر، عرفنا هذه الحقيقة عبر تاريخ طويل. تعرضنا لغزوات وحروب واحتلالات لكن مصر لم تنكسر أبدا لأنها كانت دائما أكبر من أي هزيمة. لم يكن ذلك بفضل الجيوش وحدها وإنما بفضل شعب حمل فكرة الوطن في قلبه. قد تسقط قلعة أو تنهار مدينة ، لكن تظل الأغنية الوطنية تُلهب المشاعر ويظل الموال الشعبي يروي حكاية الصمود ويظل الأمل حاضرا في العيون التي ترفض الاستسلام.

الوطن فكرة والفكرة لا تحتاج دائما إلى قوة السلاح بقدر ما تحتاج إلى إيمان أصحابها. حين يؤمن الإنسان أن وطنه يستحق الحياة فإنه قادر على أن يعيد بناءه ولو من حجر واحد. لذلك فإن الشعوب الحية تخرج من كل هزيمة أكثر صلابة لأنها تفهم أن الوطن لا يُختصر في معركة ولا يُقاس بقوة جيش فقط بل يُقاس بقدرته على النهوض بعد العثرة، وعلى استعادة نفسه مهما كان الثمن.

من هنا تتجلى قوة الفكرة الوطنية فهي التي تمنح الأمل في أصعب الأوقات وتزرع في النفوس الثقة أن الغد أفضل مهما طال الليل. والجميل أن فكرة الوطن لا تحتاج إلى تعليمات ولا تنتظر قرارا من سلطة ، إنها تنبض في دم كل مواطن يعرف أنه جزء من هذا الكيان الكبير.

قد تُهزم الجيوش في معركة وقد تُهدم المدن لكن كيف يُهزم وطن والفكرة ما زالت تعيش في أطفاله في أحلام شبابه في أهازيج نسائه وفي حنين مغتربيه؟! الوطن يستمر لأنه أكبر من لحظة الهزيمة وأعمق من أي خسارة عابرة.

بل إن الهزائم أحيانا تكشف المعنى الحقيقي للوطن فهي تدفع الشعوب لتكتشف قوتها الداخلية وتبحث عن جذورها وتتمسك بما هو أثمن من الأرض والسلاح: الوحدة والإيمان. هذه القيم هي التي تبني حضارات وتُبقيها حتى حين تنكسر الجيوش.

الوطن فكرة لا تنكسر لأنه حالة شعورية يعيشها الناس في صلاتهم ودعواتهم وأحلامهم الصغيرة في تفاصيل حياتهم اليومية في حنينهم إلى الشوارع القديمة ورائحة الخبز الطازج في صوت المؤذن وجرس الكنيسة في الأغنية التي تحفظها الأجيال جيلا بعد جيل. هذا المعنى العميق هو الذي يجعل الوطن عصيّا على الكسر حتى لو تكسرت سيوفه يوما.

ولعل أجمل ما في فكرة الوطن أنها لا تخص جيلا دون آخر. إنها ميراث يتوارثه الأبناء عن الآباء ثم يُضيفون إليه فيظل ممتدا لا ينتهي. ولذلك فإن الوطن يُبنى كل يوم ليس فقط بالحروب والانتصارات بل بالعمل الصادق، بالعلم، بالإبداع، وبإصرار كل إنسان أن يترك فيه أثرا.

إن الأوطان العظيمة لا تُقاس بعدد معاركها الرابحة بل بقدرتها على أن تحافظ على فكرتها حية في وجدان شعوبها. والفكرة الحية لا يمكن أن تُهزم. لذلك نقول بثقة: قد تُهزم الجيوش لكن الوطن لا يُهزم. لأنه ببساطة فكرة لا تنكسر.

تم نسخ الرابط