مها عبد القادر تكتب: مصر بين المناعة المجتمعية والنهضة الحضارية.. نموذج ملهم
حين يتأمل المرء أحوال المجتمعات وما يعتريها من تحولات وتحديات، سرعان ما تتكشف أمامه معادلة حاسمة مفادها أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها العسكرية أو الاقتصادية، وإنما تتجلى بالأساس في متانة نسيجها الاجتماعي، وفي قدرته على الصمود والتماسك ومقاومة عوامل الضعف والانهيار، فالمجتمع الذي يحافظ على تلاحمه الداخلي، ويحسن إدارة تنوعه واختلافاته، هو الأقدر على مواجهة الأزمات، وتجاوز الضغوط، والانطلاق نحو آفاق النهضة والتنمية.
وتعد المناعة المجتمعية القوة الخفية التي تحرس كيان الأمة من التصدع، وتشكل المؤشر الأدق على سلامة بنيتها الأخلاقية والثقافية والقيمية حتى يتمتع مجتمع بمناعة راسخة، لا تفت في عضده الأزمات الاقتصادية، ولا تضعفه الصراعات الفكرية، ولا تنال من وحدته محاولات الاختراق الخارجي، لأنه محصن من الداخل بمخزون قيمي ومعنوي يمده بالقوة والثبات.
ويستمد هذا المفهوم دلالته العميقة من حقل البيولوجيا؛ حيث تشير المناعة إلى قدرة الكائن الحي على مقاومة الأجسام الغريبة، وحماية ذاته من العلل، والحفاظ على اتزانه الداخلي، وبالقياس على ذلك، فإن المجتمع الذي يملك منظومة من القيم الحية، والمؤسسات الفاعلة، والوعي الجمعي اليقظ، يمتلك حصانة نفسية وثقافية ومعنوية، تضمن للدولة البقاء والقدرة على الاستمرار، وتؤسس لنهضة مستدامة، ويستطيع أن يتصدى لما يواجهه من تهديدات، سواء كانت فكرية، أو اجتماعية، أو اقتصادية، أو ثقافية.
ويمنح إسقاط هذا المفهوم على علم الاجتماع الإنساني أبعادًا أكثر ثراءً وتعقيدًا، فلا يقتصر الأمر على مجرد ردع الأخطار الخارجية أو صدّ محاولات الاختراق، ولكن يتعداه إلى بناء منظومة داخلية متماسكة من القيم والمعايير والأنساق والسلوكيات التي تشكل الأساس الصلب لاستقرار المجتمع وتماسكه، إنها عملية ديناميكية متجددة، تتجسد في قدرة المجتمع على حماية ذاته من التطرف والانحرافات الفكرية، وصون أفراده من الانجرار وراء موجات العنف أو الانغلاق أو التفكك، فيحافظ على تماسكه ويظل وفيًّا لقيمه الجامعة، وفي الوقت ذاته قادرًا على التحديث والتجديد الذي يضمن بقاءه ومنافسته في عالم سريع التغير ومحصّنًا ضد محاولات التشويه والاختراق.
وتشكل المناعة المجتمعية الخط الدفاعي الأول للأمة من زاوية الأمن القومي، إذ تمنحها القدرة على الوقوف في وجه محاولات الاختراق الخارجي أو زرع الفتن الداخلية، فالمجتمع المتماسك الواعي بهويته يصعب اختراقه، وتتعثر أمامه أدوات الهيمنة، كما تقوم المناعة المجتمعية من منظور الهوية الثقافية بدور الذاكرة الجمعية التي تحفظ الموروث القيمي والرمزي والحضاري، فهي الدرع الذي يحمي حاضر الأمة، والبوصلة التي توجه مستقبلها، لأنها تعبر عن وعي جمعي قادر على تحويل المحن إلى فرص، والتهديدات إلى دافع لمزيد من التماسك والبناء، في انسجام مع مشروع وطني يحفظ السيادة ويصون الكرامة.
ويرتكز بناء المناعة المجتمعية على ثلاث دعائم أساسية تتكامل فيما بينها وهي القيم الأخلاقية، والوعي الجمعي الراسخ، والمشاركة الفاعلة للمواطنين في الشأن العام، فحين تمتلك الجماعة قيمًا أصيلة متفقًا عليها، كالعدل، والاحترام، والتكافل، والانتماء، فإنها تؤسس قوامًا أخلاقيًا يمنحها صلابة داخلية في مواجهة النزاعات والاختراقات، وحين يربى الأفراد على الوعي النقدي، وحس المسؤولية، وفهم تعقيدات الواقع، يصبح المجتمع قادرًا على فرز ما يعرض عليه من أفكار وتوجهات وعندما يشعر المواطن أنه جزء من الفعل فإن ولاءه يرتبط بالدولة والمجتمع وليس بالأيديولوجيات مغرضة أو البدائل الزائفة.
ويظهر هذا جليًا في التجربة المصرية، حيث شكل تماسك المجتمع عبر تاريخه الطويل صمام الأمان الحقيقي للدولة، مهما تعددت التحديات والضغوط، فعند مواجهة الاستعمار، كانت الوحدة الوطنية بين المسلمين والأقباط درعًا حصينًا ضد محاولات الاختراق والتقسيم، ورسالة واضحة بأن الانتماء للوطن يسمو فوق كل الفوارق، وفي لحظات الأزمات الاقتصادية أو السياسية، ظهرت الأسرة المصرية كحاضنة أولى للتماسك، وتجلت الروابط التكافلية بين الجيران كشبكة حماية اجتماعية تسد الفجوات وتحمي الفئات الأضعف من الانهيار، لتصبح قيم التضامن والعطاء قاعدة راسخة في وجدان المصريين، كما لعبت الثقافة الشعبية، بما تحمله من أغاني وأمثال وحكم ورموز وطنية، دورًا بارزًا في بث الأمل، وتعزيز روح الانتماء، وترسيخ الذاكرة الجمعية، الأمر الذي حافظ على صلابة الهوية المصرية في مواجهة رياح العولمة والتيارات المتطرفة.
وعند التأمل في مسيرة مصر نجدها أنموذجًا حيًا لمناعة مجتمعية متجذرة؛ فقد واجهت الأزمات الاقتصادية العاصفة، والصراعات الإقليمية الكبرى خاصة بالمنطقة، والمحاولات المستمرة لزعزعة استقرارها ومواجهتها للإرهاب، بفضل ما تمتلكه من رصيد حضاري وثقافي متراكم، وما يتمتع به شعبها من وعي جمعي وإدراك راسخ لقيمة الدولة الوطنية وتكاتفه مع قيادته، وإيمانه بقدرات دولته ، فالمصريون في لحظات الشدة يتجاوزون خلافاتهم ويلتفون حول ثوابتهم المشتركة، فيجعلون من وحدتهم حصنًا يحميهم، ومن انتمائهم درعًا يصونهم، ومن صبرهم وإبداعهم قوة دفع متجددة نحو المستقبل.
وتمثل المناعة المجتمعية الركيزة الأساسية لرؤية مصر 2030 ومشروعها التنموي الشامل، فهي مشروع وطني لبناء الإنسان المصري في وعيه وصحته وتعليمه وإبداعه، وضمانة لنجاح مسيرة التنمية، فهي التي تغرس في المواطن روح الصبر والمثابرة، وتدفعه للتكيف مع المتغيرات، والمشاركة الفاعلة في صناعة المستقبل، ولا يمكن لأي نهضة مستدامة أن تتحقق من دون مجتمع قوي متماسك، مؤمن بدوره ومسؤوليته، يرى في التنمية شراكة تقوم على العلم والعمل والابتكار.
ونخلص أن المناعة المجتمعية هي الأساس المتين للسيادة الوطنية؛ فالدولة التي يتمتع شعبها بوعي جمعي راسخ وانتماء صادق تظل عصية على الانكسار مهما اشتدت التحديات، وتكمن قوة مصر في قدرة أبنائها على الالتفاف حول دولتهم في أوقات الشدة، إذ تبدأ النهضة الحقيقية من بناء الإنسان وترسيخ المناعة في وجدانه وربطها بالقيم التي شكلت عبر التاريخ هوية مصر الثقافية والحضارية، وعندما تتحول هذه القيم إلى ممارسة يومية في التعليم، والإعلام، والأسرة، والعمل، تغدو المناعة المجتمعية قوة دافعة للإنتاج والإبداع، وحصنًا للسيادة، وضمانة لمشاركة فاعلة في المنظومة العالمية دون فقدان للهوية أو خضوع للهيمنة.
ونؤكد إن سيادة الدولة المصرية هي وعي مجتمعي أصيل ومتجذر يرفض التفكك والتطرف والانقسام، ويعزز وحدة المصير بين القيادة والشعب، وهذه السيادة المتكئة على مناعة مجتمعية صلبة، هي التي تمهد الطريق أمام مصر لتواصل نهضتها الحضارية، وتؤهلها لتكون قوة فاعلة ومؤثرة في محيطها الإقليمي والدولي، كما أن الرؤية التنموية المصرية للمستقبل تقوم على ثلاثية مترابطةمناعة مجتمعية راسخة تصون الداخل من التحديات، وسيادة وطنية راسخة تضمن استقلال القرار وحماية الهوية، ونهضة حضارية شاملة تستند إلى الأصالة وتستشرف آفاق المستقبل، وعندما تتكامل هذه الأبعاد الثلاثة، تتشكل المعادلة المصرية الفريدة التي تجعل من مصر نموذجًا ملهمًا للأمم الطامحة إلى التوازن بين التنمية والهوية، وبين الخصوصية الوطنية والانفتاح على العالم، وهكذا تظل مصر بوعيها الجمعي وقيادتها الرشيدة، قلبًا نابضًا للأمة وركيزة للاستقرار والتنمية في محيطها والعالم.