حسام بدراوي: الكتاتيب أصبحت بوابة لتسرب الفكر السياسي الديني
أكد الدكتور حسام بدراوي، المفكر والسياسي والخبير في شؤون التعليم، أن مصر في حاجة ماسة إلى إعادة النظر في أسلوب التعليم غير النظامي الذي ما زال قائماً في صورة "الكتاتيب"، والتي على حد وصفه صبحت منفذاً لتمرير أفكار غير منضبطة قد تفتح الباب أمام تسرب التدين السياسي إلى عقول النشء.
وأضاف أن مواجهة هذا الملف باتت قضية أمن قومي، لأنها ترتبط بشكل مباشر بتشكيل وعي الأجيال الجديدة وبقدرتهم على التفاعل مع العصر الحديث بروح العلم والانفتاح لا بروح الانغلاق والتوظيف السياسي للدين.
التعليم عبر الكتاتيب موروث شعبي تحول إلى خطر على الهوية التعليمية
وأوضح خلال حوار ببرنامج “ علي مسؤليتي ”، مع الاعلامي أحمد موسي، الكتاتيب كانت عبر التاريخ وسيلة أساسية لتعليم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم، وكان لها دور لا يُنكر في محو الأمية ونشر المعرفة الدينية الصحيحة غير أن بدراوي يرى أن الظروف تغيرت، وأن التعليم لم يعد بحاجة إلى هذه الصورة البدائية التي تفتقد الرقابة والمعايير، خصوصاً بعد التطور الكبير في منظومة التعليم الرسمي.
ويشير إلى أن بعض هذه الكتاتيب أصبحت خارجة عن الإشراف التربوي، ويُستغل فيها الأطفال لتلقين أفكار لا علاقة لها بالتعليم الصحيح، بل أحياناً يتم زرع قيم سياسية أو توجهات متشددة تؤدي في النهاية إلى عزلة الطفل عن المجتمع، وتدفعه إلى الانسياق وراء تيارات الإسلام السياسي التي توظف الدين لأهدافها الخاصة.
الإصلاح التعليمي الشامل هو البديل الحقيقي
يرى الدكتور حسام بدراوي أن الحل ليس فقط في وقف الكتاتيب، وإنما في تقديم بديل قوي يحقق الغرض الذي يبحث عنه أولياء الأمور. ويقترح تطوير مناهج التعليم الأساسي لتشمل التحفيظ المبسط للقرآن الكريم داخل المدارس الرسمية، ولكن في إطار تربوي سليم وبإشراف متخصصين تربويين وأزهريين.
كما شدد على أهمية الاستثمار في تدريب المعلمين ليكونوا قادرين على الدمج بين التعليم الديني الوسطي والقيم الأخلاقية، وبين مهارات التفكير النقدي والعلمي، وهو ما يحمي الأجيال من الانغلاق الفكري ويمنحهم حصانة ضد أي محاولات لاستغلال الدين في السياسة.
مواجهة تسرب الدين السياسي.. مسؤولية مشتركة
أكد بدراوي أن مواجهة هذه الظاهرة ليست مسؤولية وزارة التعليم وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تشمل الأسرة، الإعلام، الأزهر، والجامعات. فالأسرة عليها أن تراقب أين يتلقى أبناؤها التعليم، والإعلام دوره أن ينشر الوعي بخطورة التعليم غير النظامي، بينما يقوم الأزهر بمهمة أساسية في تقديم نموذج صحيح لتعليم القرآن والعلوم الدينية بعيداً عن أي أهواء سياسية.
وشدد على أن أي تساهل في هذا الملف قد يفتح الباب أمام إعادة إنتاج الفكر المتطرف الذي سبق أن عانت منه مصر والمنطقة لعقود طويلة. لذلك فإن الحزم في إغلاق المنافذ غير الشرعية للتعليم ضرورة وطنية، وليست مجرد قضية إدارية.
تعليم حديث يحمي الهوية وينفتح على العالم
واختتم الدكتور حسام بدراوي تصريحاته بالتأكيد على أن التعليم الحديث لا يتعارض مع الهوية الدينية أو الثقافية، بل هو الضامن لحمايتها من التشويه. فتعليم الطفل مهارات الإبداع، التفكير النقدي، والابتكار، إلى جانب تحصينه بالثقافة الدينية الوسطية، سيؤدي إلى جيل قادر على مواجهة تحديات العصر وفي الوقت نفسه متمسك بجذوره وقيمه.
وأشار إلى أن مصر تمتلك تجربة طويلة في إصلاح التعليم، وأن الاستفادة من التجارب العالمية مع مراعاة خصوصية المجتمع المصري هو الطريق الأمثل للخروج من دوائر الحفظ والتلقين إلى آفاق التفكير الحر والإبداع.