"ثورة الموانئ".. أوروبا تضيق الخناق على توريد الأسلحة لإسرائيل
كشفت تقارير حديثة عن حالة من الاضطراب في سلاسل توريد الأسلحة لإسرائيل بسبب نشاط متزايد لنقابات عمال الموانئ الأوروبية، التي تتخذ موقفًا واضحًا لعرقلة الإمدادات العسكرية الإسرائيلية احتجاجًا على الحرب الدائرة في قطاع غزة. تُعد هذه الخطوة جزءًا من جهد منسق يحمل في طياته رفضًا ضمنيًا لسياسات الدولة العبرية في المواجهة الحالية.
ميناء مرسيليا.. حصار الحاويات وتأخير الشحنات الحربية
في شهر يوليو الماضي، شهد ميناء مرسيليا-فوس جنوب فرنسا، تفتيشًا دقيقًا لآلاف الحاويات على يد عمال الموانئ، بعد تلقيهم معلومات عن وجود صناديق أسلحة معدة للشحن إلى إسرائيل عبر سفينة كونتشيب إيرا المتجهة إلى حيفا. نتيجة لذلك، تم احتجاز الحاويات لأيام عدة قبل أن تغادر السفينة دون تلك الصناديق التي أُعيدت إلى المرسل، شركة "يورولينكس" مقرها مرسيليا. واعتبر محامي جمعية "جوردي" الحقوقية، التي رفعت القضية للمحكمة، هذا التصرف "نصرًا صغيرًا" لهم في وجه دعم الاحتلال.
تداعيات تعطيل الإمدادات على القدرات العسكرية الإسرائيلية
رغم أن إسرائيل تسعى إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في تصنيع معداتها العسكرية، إلا أن أي نقص في أجزاء حيوية، خاصة تلك التي لا تتوفر محليًا، قد يعرقل العمليات العسكرية ويؤدي إلى تأخيرات استراتيجية. وأكد إران شامير بورير، مدير مركز الأمن القومي والديمقراطية في معهد الديمقراطية الإسرائيلي، أن هذه الإجراءات النقابية تؤثر على الجوانب الاقتصادية والتشغيلية، وقد تضطر تل أبيب لتصنيع هذه القطع داخليًا بكلفة مرتفعة وجودة أقل.
موانئ ومطارات.. انتشار المقاطعة وتوسيع دائرة الحظر
لم تقتصر التحركات على ميناء مرسيليا فقط، بل امتدت إلى موانئ أوروبية أخرى. ففي يوليو، منعت نقابة عمال الموانئ (ENEDEP) في ميناء بيرايوس اليوناني شحنة فولاذ عسكري متجهة لإسرائيل. كما طالبت منظمات غير حكومية في بلجيكا بوقف شحنة قطع غيار مخصصة لمصنع دبابات ميركافا في ميناء أنتويرب. في السويد، صوت 68% من أعضاء اتحاد عمال الموانئ على مقاطعة كافة الشحنات العسكرية القادمة أو المتجهة إلى إسرائيل.
أما على الصعيد الجوي، فقد اكتشف موظفو مطار شارل ديغول في باريس في يونيو شحنة فولاذ عسكري متجهة لشركة إسرائيلية للدفاع، وتعاونت نقابات متعددة لمنع تحميلها على متن الرحلة المتجهة لتل أبيب، مؤكدين أن عمال المطارات لا يجب أن يشاركوا في أنشطة عسكرية.
تحالف دولي جديد يحظر توريد الأسلحة لإسرائيل
على الصعيد السياسي، أطلقت مجموعة "لاهاي" التي تضم دولاً من الجنوب العالمي مثل بليز وبوليفيا وتشيلي وكوبا وكولومبيا وهندوراس وماليزيا وناميبيا والسنغال وجنوب أفريقيا، إعلان حظر شامل لتوريد الأسلحة لإسرائيل، والتزامها بعدم استقبال سفن محملة بالأسلحة إلى الدولة العبرية. وكان لكل من إسبانيا وتركيا خطوات مماثلة في السابق للحد من تصدير الأسلحة.
مقاومة النقابات.. تعزيز صوت السلام على حساب الحرب
تعبيرًا عن رفضهم للمشاركة في النزاع، أكدت نقابات عمال الموانئ والمطارات في أوروبا رفضها تحميل أو نقل أي معدات عسكرية متجهة لإسرائيل، معتبرة أن دعم هذه العمليات يساهم في جرائم الحرب في غزة. وشددت النقابات على دورها في خدمة السلام وحماية حقوق الإنسان، وليس في تسهيل النزاعات المسلحة.
وجهة نظر إسرائيلية.. مخاطر وتأثيرات الإمدادات المعطلة
من جانبها، ترى إسرائيل أن هذه الإجراءات تشكل تحديًا كبيرًا قد يؤثر على قدراتها العسكرية في الوقت الحرج. فالقطع الحربية والأجزاء التقنية التي يتم منع وصولها ضرورية للحفاظ على جاهزية القوات المسلحة، وقد تؤدي تأخيرات الشحن إلى تعطيل برامج التصنيع والإصلاح. ورغم أن إسرائيل تسعى لتعويض ذلك محليًا، إلا أن التكلفة والوقت يشكلان عائقًا أمام تحقيق اكتفاء فوري.
تشكل حملة نقابات عمال الموانئ والمطارات الأوروبية ضد شحنات الأسلحة إلى إسرائيل مؤشراً قوياً على تصاعد الضغط الشعبي والسياسي على تل أبيب في ظل الأزمة الحالية مع قطاع غزة. هذه المقاومة اللوجستية والاقتصادية تواكب جهود دبلوماسية من دول عدة لحظر توريد الأسلحة، ما يعكس تضاربًا متزايدًا بين مصالح الحرب والضغط من أجل السلام وحقوق الإنسان على الساحة الدولية.




