نجلاء نادر تكتب: العنف الأسري ضد المرأة: جرح داخلي يتطلب مواجهة حقيقية
العنف ضد المرأة داخل الأسرة يعد من أخطر أشكال العنف الاجتماعي وأكثرها قسوة، لأنه لا يأتي من غريب، بل من أقرب الناس إليها، الأب الذي يفترض أن يكون حاميها، الأخ الذي يفترض أن يكون سندها، أو الزوج الذي من المفترض أن يكون شريك حياتها، وهذا النوع من العنف يترك ندوبًا عميقة لا تزول بسهولة، تمتد من الجسد إلى النفس والعقل والسلوك، وتزداد حدة هذه الآثار مع تكرار الاعتداءات اللفظية أو الجسدية.
والعنف اللفظي يبدأ بكلمات جارحة، إهانات متكررة، وتقليل من قيمة المرأة وقدراتها، فيتحول مع الوقت إلى وسيلة ضغط نفسي تضعف شخصيتها وتفقدها ثقتها بنفسها، أما العنف الجسدي، فيحمل معه شعورًا دائمًا بالتهديد والخوف، وكأن المرأة تعيش داخل دائرة مغلقة من الرعب، تخشى فيها أي تصرف بسيط قد يُفجر غضبًا أو عقابًا.
والأثر النفسي ينعكس في صورة قلق مستمر، اضطرابات في المزاج، وشعور متصاعد بالعجز والاغتراب داخل بيت يُفترض أن يكون ملاذًا آمنًا، ومع غياب الأمان العاطفي، تفقد المرأة القدرة على الشعور بالطمأنينة أو حتى الثقة في من حولها، وعلى المستوى العقلي، يتراجع تركيزها وتضعف قدرتها على التفكير بوضوح أو اتخاذ قرارات صحيحة، لأنها تظل مشغولة دائمًا بكيفية تفادي الألم القادم.
أما على صعيد السلوك، فغالبًا ما تميل المرأة المعنَّفة إلى الانسحاب والانطواء، وتتجنب الآخرين خوفًا من الفضيحة أو بدافع الشعور بالعار، وقد يظهر عند البعض سلوك عدواني تجاه الأبناء أو المحيطين بها، فيتسع نطاق دائرة العنف بدلًا من أن تُكسر، ومع التكرار المستمر، تصبح الصدمة النفسية أشبه بجرح غائر يصعب شفاؤه دون تدخل حقيقي.
وإن مواجهة هذه الظاهرة لا تقتصر على المرأة وحدها، بل تتطلب وعيًا جماعيًا ودعمًا من الأسرة والمجتمع والقانون، ومن هنا تبرز بعض الخطوات الضرورية التي يجب العمل عليها:
أولًا، نشر التوعية الأسرية بخطورة العنف وآثاره المدمرة على الاستقرار النفسي والاجتماعي.
ثانيًا، تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للنساء اللواتي تعرضن للعنف، لمساعدتهن على استعادة ثقتهن بأنفسهن.
ثالثًا، تطبيق القوانين الصارمة التي تجرم كل أشكال العنف الأسري وتضمن حماية المرأة داخل بيتها.
رابعًا، تمكين المرأة اقتصاديًا عبر توفير فرص تعليم وعمل تقلل من تبعيتها وتجعلها قادرة على مواجهة الضغوط.
خامسًا، تربية الأبناء على قيم المساواة والاحترام منذ الصغر، لتنشئة جيل يرفض العنف ويؤمن بالشراكة الإنسانية.
وأخيرًا، توجيه برامج إرشاد وتدريب للرجال من آباء وأزواج وأشقاء لتصحيح المفاهيم المغلوطة التي تجعل البعض يعتقد أن السيطرة والقسوة هي السبيل الوحيد لإثبات القوة.
والعنف ضد المرأة داخل الأسرة ليس مجرد مشكلة شخصية، بل هو شرخ يصيب المجتمع كله، إن حماية المرأة من هذا العنف هي حماية للأسرة، وضمان لتربية أجيال أكثر اتزانًا وسلامًا، فالمجتمع لا يستقيم إلا عندما تكون المرأة آمنة ومصانة، قادرة على العيش بكرامة داخل بيتها، دون خوف أو قهر.