رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

محمد دياب يكتب: تيك توك.. مصنع التفاهة وتفريغ العقول

محمد دياب
محمد دياب

 

تحول «تيك توك» من منصة للتسلية إلى مصنع ضخم للتفاهة والانحطاط فى زمن «الكبس» يكفى أن يصرخ أحدهم فى بث مباشر أو يلوّح بحركة مثيرة حتى تنهمر عليه الهدايا الرقمية وكأنها وسام شرف بينما الحقيقة أنها فتات يُلقى فى وجه العقول الفارغة.

وأصبحت الشهرة تولد على سرير أو في مقهى أو عبر بث مباشر يعج بالضجيج والصراخ وإلحاح العبارات المتكررة: "اكبس اكبس اكبس" بعدما كانت تصنع على خشبة المسرح أو من خلف الكواليس .ومن رحم هذه الضغطة خرج جيل جديد من النجوم المؤقتين لا يملكون ما يقدمونه سوى استفزاز التفاعل واستدعاء الجدل والتجرؤ على القيم بينما يتحول «تيك توك» تدريجياً إلى مسرح مفتوح لكل أشكال التفاهة والانفلات

أكثر من 40 مليون مصرى عالقون يومياً فى شباك هذه المنصة يقضون ساعه او اكثر غارقين فى سيل جارف من المحتوى السطحى والأدهى أن 60% مما يملأ الشاشات يخرج عن أى قيمة تعليمية أو فنية لينحصر فى الرقصات الفارغة والمقالب السخيفة والبث المباشر الذى يبيع الوقت والعقل مقابل هدايا رقمية تتحول فى النهاية إلى أموال بلا رقيب

ولم يعد الخطر في «تيك توك» أنه يسرق وقتك بل في أنه يسرقك أنت. يسحبك من واقعك ليحبسك داخل شاشة صغيرة يبدل أولوياتك ويعيد برمجة دماغك لترى الحياة كمقاطع متقطعة بلا سياق ولا عمق. فى هذا العالم السريع تختفي القدرة على الصبر، يموت التأمل، وتُختزل القضايا الكبرى إلى «تريند» يلمع لساعات ثم يذوب كفقاعة فى بحر النسيان

تيك توك يعيد تشكيل الذوق العام ليصبح أرخص وأسرع وأقل إحساساً بالقيم. لا يُرضيه أن يشاهدك الجمهور وأنت تقدم فكرة بل يريدك أن تصرخ، أن ترقص، أن تبيع كل ما هو شخصى مقابل بضع نقاط وشهرة وقتية. إنها حرب أخلاقية بلا مدافع لكنها تُسقط أجيالاً كاملة

الدعوات إلى الحظر الكامل قد تبدو مغرية للبعض لكنها تصطدم بواقع عالم رقمي مفتوح يسهل فيه تجاوز الحجب عبر برامج "في بي إن" مما يجعل الحل الأكثر واقعية هو الضبط الذكي من خلال تقنين عصري يفرض رقابة فعّالة على التريندات ويُلزم صناع المحتوى بالمساءلة عبر غرامات مالية كبيرة وعقوبات صارمة لكل من يسيء إلى القيم العامة أو يوظف المنصة كأداة للهدم الأخلاقي والمجتمعي

تيك توك لا يكتفي بإضاعة الوقت وانما يعيد برمجة العقول على نمط من الاستهلاك اللحظي السريع حيث لا مجال للتفكير ولا فرصة للتأمل
إنه يصنع جيلاً يعيش على الفتات الرقمي جائعاً دوماً للمزيد ومُتخماً في الوقت نفسه بالفراغ. وما لم نكسر هذه الحلقة المفرغة سنجد أنفسنا أمام أمة تُصفّق للتفاهة وتدير ظهرها لكل ما هو عميق وذو قيمة

هذه معركة ضد عقلية تختزل الحياة في مقطع من 15 ثانية وتقيس قيمة الإنسان بعدد "اللايكات"
إن تأخرنا اليوم فغداً سنصحو على جيل يتحدث بلغة «الكبس» وقد فقد لغة العقل والضمير معاً

تم نسخ الرابط