نجلاء نادر تكتب: صخب لا يُرى.. كيف يؤثر التلوث السمعي على النفس والسلوك؟
في عالم تتداخل فيه الأصوات وتتسابق فيه الضوضاء، لم يعد التلوث السمعي مجرد أمر مزعج، بل تحول إلى خطر حقيقي يهدد راحة الإنسان النفسية وسلوكه اليومي، فبين أصوات السيارات والمولدات والإنذارات، يتسلل التوتر إلى أجسادنا دون أن نشعر، وتبدأ أعصابنا في التآكل تحت وطأة الصخب المستمر.
ولا يعد التلوث السمعي تلوثًا بالمعنى التقليدي، لأنه لا يُرى ولا يُلمس، لكنه يُشعر بقوة، وقد تنوعت مصادره في حياتنا اليومية لتشمل ضوضاء المرور، والأصوات الصناعية، والضوضاء الاجتماعية، وأصوات الأجهزة المنزلية، بل وحتى الأصوات المزعجة داخل المنزل نفسه، كصوت التلفاز المرتفع أو الخلافات العائلية المتكررة.
وما يُفاقم المشكلة في السنوات الأخيرة، هو الانتشار الواسع للأغاني الصاخبة، وخاصة ما يُعرف بأغاني "المهرجانات"، التي تعتمد على إيقاعات سريعة، وطبول عالية، وتأثيرات صوتية مبالغ فيها.
ورغم أن البعض يعتبرها وسيلة للتسلية أو "الطاقة"، فإن التعرض المتكرر لها ولساعات طويلة يترك أثرًا نفسيًا لا يمكن تجاهله.
وقد أظهرت دراسات نفسية أن التعرض الطويل للأصوات الحادة والصاخبة، مثل تلك الموجودة في المهرجانات، يؤدي إلى زيادة التوتر والقلق، ويُضعف التركيز ويجعل الشخص أكثر عرضة لحالة من الاندفاعية والانفعال السريع.
وتزداد خطورة الأمر عند الأطفال والمراهقين، حيث تؤثر هذه الأغاني على توازنهم السمعي والعاطفي، وتقلل قدرتهم على التواصل الهادئ والتفكير العميق.
الأمر لا يقتصر فقط على الحالة النفسية، بل يمتد ليشمل السلوك اليومي، فالاستماع المستمر لأغاني المهرجانات الصاخبة قد يؤدي إلى تبنّي أنماط كلام وسلوك عدوانية أو استعراضية، خاصة في البيئات التي تفتقر إلى التوجيه الأسري والثقافي، ومع الوقت، يصبح الصخب هو القاعدة، ويُصبح الهدوء مملًا أو حتى غير محتمل.
ومن الزاوية الصحية، فإن التلوث السمعي بكل أشكاله، بما في ذلك الأغاني العالية، يؤدي إلى اضطرابات في النوم، وأحيانًا إلى مشاكل في السمع نفسه، مثل طنين الأذن أو ضعف القدرة على تمييز الأصوات، مما يؤثر على جودة الحياة بشكل عام.
أما في أماكن العمل والدراسة، فإن الضوضاء تقلل من الإنتاجية والتركيز، وتزيد من نسب الأخطاء، وتجعل الإنسان أكثر توترًا وأقل قدرة على اتخاذ قرارات متزنة، وهو ما ينعكس على العلاقات الاجتماعية أيضًا، حيث يُصبح التواصل صعبًا بسبب العصبية المستمرة وانعدام القدرة على الاستماع بهدوء.
ولمواجهة هذا الخطر الصامت، لا بد من وعي مجتمعي أوسع حول تأثير التلوث السمعي، وتشجيع الناس، وخاصة الشباب، على تنظيم استماعهم للموسيقى، واختيار أنواع موسيقية أكثر هدوءًا واتزانًا، والاستفادة من فترات الصمت، فهي ليست فراغًا، بل علاج للنفس.
وفي نهاية المطاف، فإن الهدوء لم يكن يومًا علامة ضعف أو ملل، بل هو حاجة إنسانية أساسية لاستقرار النفس واعتدال السلوك، وربما علينا جميعًا أن نعيد التفكير في الأصوات التي نختار أن تُحيط بنا، لأن ما نسمعه يوميًا يُشكّل من نكون.