رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

نجلاء نادر تكتب.. الرهاب: سجن الخوف الصامت وكيف نتحرر منه

نجلاء نادر
نجلاء نادر

في زوايا النفس البشرية، هناك نوع من الخوف لا يبدو منطقياً، ولا يستجيب للكلام العقلاني، لكنه قادر على تقييد الإنسان في سجن من القلق والتجنب، اسمه "الرهاب". ليس مجرد خوف عادي، بل هو خوف شديد ومبالغ فيه من أشياء أو مواقف قد تكون غير مؤذية في الواقع، لكنه يسيطر على الشخص وكأنه يهدده بخطر داهم. قد يبدو الرهاب غريباً لمن لا يعاني منه، لكنه لمن يعيشه، حقيقة يومية تؤثر على حياته وعلاقاته وحتى قراراته.

الرهاب لا يأتي بشكل واحد، بل له وجوه كثيرة. من أكثر أنواعه شيوعاً الرهاب الاجتماعي، حيث يشعر الشخص برعب من المواقف التي يكون فيها محط أنظار الآخرين، فيخاف من الحديث أمام مجموعة، أو تناول الطعام في الأماكن العامة، أو حتى مجرد تفاعل بسيط مع غرباء. هناك أيضاً رهاب الأماكن المغلقة مثل المصاعد والطائرات، أو رهاب الأماكن المفتوحة أو المزدحمة، حيث يخشى المصاب فقدان السيطرة في وسط الناس. وهناك الرهاب البسيط أو المحدد، كخوف غير مبرر من الحيوانات، أو المرتفعات، أو الأصوات العالية، أو حتى الدم.

لكن ما الذي يجعل شخصاً ما يخاف من كلب صغير أو من ركوب المترو؟ الأسباب ليست دائماً واضحة، لكنها غالباً ما تكون مزيجاً من عوامل وراثية وبيئية ونفسية. بعض الأشخاص يكون لديهم استعداد وراثي للقلق، بينما قد يكتسب آخرون الخوف من خلال تجربة سلبية في الطفولة أو عن طريق ملاحظة شخص آخر يخاف. في أحيان كثيرة، لا يتذكر الشخص سبب بداية الرهاب، لكنه يشعر بنتائجه بقوة.

المؤلم في الرهاب أنه لا يتوقف عند الشعور بالخوف فقط، بل يجعل الشخص يتجنب ما يخيفه بشكل مبالغ فيه، مما يضيق عليه حياته. شخص يعاني من الرهاب الاجتماعي مثلاً قد يرفض فرص عمل جيدة أو يتجنب المناسبات العائلية، فقط لأنه يخاف من التحدث أمام الناس. بمرور الوقت، يتحول التجنب إلى نمط حياة، ويشعر الشخص أنه محاصر.

لكن الخبر الجيد أن الرهاب ليس قدراً أبدياً، وهناك طرق فعالة للعلاج. أولها العلاج السلوكي المعرفي، وهو من أنجح الطرق في التعامل مع الرهاب، حيث يتم تعليم الشخص كيف يواجه مخاوفه تدريجياً، ويفكر بشكل مختلف تجاهها. يتم ذلك في جلسات علاجية منظمة، وأحياناً يتم استخدام تقنيات التعرض التدريجي، حيث يتعرض الشخص لمصدر خوفه بشكل آمن وتدريجي حتى يزول تأثيره.

في بعض الحالات، يمكن استخدام الأدوية المساعدة مثل مضادات القلق أو مضادات الاكتئاب، لكن الأفضل أن تكون إلى جانب العلاج النفسي، وليس بديلاً عنه. كما أن تقنيات الاسترخاء والتنفس العميق والتأمل يمكن أن تساعد على تهدئة الجهاز العصبي وتقليل القلق.

في النهاية، الرهاب ليس ضعفاً، بل استجابة نفسية تحتاج إلى فهم وعلاج. والمصاب به لا يحتاج للسخرية أو التجاهل، بل للدعم والتعاطف والمساعدة. التحرر من الرهاب يبدأ من الاعتراف بوجوده، ثم طلب المساعدة دون خجل. ففي داخل كل شخص يخاف، هناك رغبة قوية في الشجاعة، تنتظر فقط من يساعدها على الظهور.

إذا كنت تعرف أحداً يعاني من الرهاب، لا تقل له "ما تخافش"، بل قف إلى جانبه وقل: "أنا معك، وهنتخطى ده سوا".

تم نسخ الرابط