شحاتة زكريا يكتب: حين يصبح المستقبل صناعة وطنية.. مصر والهيدروجين الأخضر ورهانات الغد
لم تعد التنمية في القرن الحادي والعشرين تُقاس بالأبراج العالية أو عدد المصانع التقليدية بل بما تزرعه الدول اليوم من أفكار جديدة وتقنيات نظيفة وطموحات تُحلّق خارج ضجيج الاستهلاك وعوادم المصانع.
ولذلك فإنّ توقيع مصر مؤخرا لعدد من الاتفاقيات الدولية الجديدة في مجال الهيدروجين الأخضر ليس مجرد حدث اقتصادي بل خطوة استراتيجية عميقة في مشروع بناء المستقبل بسيادة كاملة وعقلية استباقية.
الهيدروجين الأخضر لمن لا يتابع هو وقود المستقبل والمكوّن الأساسي لما بات يُعرف بـ"الاقتصاد الأخضر"، ذلك الاقتصاد الذي لا يدمّر البيئة بل يُرمّمها ولا يراكم الانبعاثات بل يُحاكي الطبيعة في نقائها.
ودخول مصر هذا المجال مبكرا ومن موقع الشريك المُنتِج لا المستهلك فقط يعكس رؤية جديدة تنقلنا من منطق المجاراة إلى منطق الريادة.
المثير في الأمر أنّ هذه الخطوة لم تأت من فراغ. فالدولة التي بنت أكبر محطات الطاقة الشمسية في "بنبان"، وأقامت مزارع الرياح في جبل الزيت ، وأعادت هندسة شبكة الكهرباء لتكون ذكية ومتجددة ومرتبطة بجيرانها ، كانت تمهّد بهدوء لعصر الطاقة الخضراء.
ومع كل اتفاقية شراكة جديدة ومع كل مصنع يبدأ الإنتاج في هذا القطاع تترسخ قناعة بأنّ مصر لا تراهن فقط على الحاضر بل تُخطط للغد بعين اليقين.
في المشهد الإقليمي والدولي تبدو خريطة الاقتصاد العالمي وكأنها تُعاد رسمها من جديد. من يعتمد على الفحم أو الغاز وحده بات معرضا لضغوط بيئية وتمويلية وتجارية.
ومن لا يُدرج البُعد المناخي في استثماراته يجد نفسه مرفوضا من بنوك التنمية وأسواق المستقبل. وهنا تفوقت القاهرة على نفسها إذ أدركت باكرا أنّ السيادة الحقيقية لا تكون فقط في الغذاء والدواء بل أيضا في الطاقة التي تُشغّل المصانع وتنير المدن وتُسيّر القطارات والسيارات.
وليس الهيدروجين الأخضر إلا عنوانا لمرحلة أوسع تُبشر بتحوّل نوعي في الاقتصاد المصري. نحن أمام مشروع وطني يتجاوز حدود العائد المالي ليصبح بوصلة جديدة للهوية الصناعية والبيئية للدولة.
ولعل ما يبعث على الفخر أنّ هذه الرؤية لم تعد حكرا على الخبراء أو صُنّاع القرار بل بدأت تصل إلى وعي الناس وتدخل حواراتهم اليومية وتُثير حماسة الشباب الباحث عن أدوار جديدة في ميادين العمل والتكنولوجيا والابتكار.
إنّ الاستثمار في المستقبل يتطلب إرادة صلبة، لا تستسلم لما يُقال من معوقات أو عقبات ومصر اليوم تُثبت أنها تمتلك هذه الإرادة.
فكل مشروع يتم توقيعه في هذا المجال وكل شراكة دولية تُعقد وكل مركز تكنولوجي يُفتتح هو تأكيد عملي على أن الاقتصاد المصري لا ينتظر التغيير بل يصنعه.
ولعل أجمل ما في هذه المرحلة هو هذا التكامل بين أهداف التنمية والطموحات البيئية.
للمرة الأولى منذ عقود لا نرى تناقضا بين النمو وحماية الكوكب ولا بين الصناعة والبيئة بل نرى تزاوجا بين الاثنين تحت مظلة الاستدامة ، وهي الكلمة المفتاحية في عالم لا يرحم من يستهلك بلا إنتاج أو ينتج بلا وعي.
إنّ التفاؤل لا يعني تجاهل التحديات بل يعني امتلاك أدوات التعامل معها بثقة، ومصر اليوم وهي تنخرط في صناعة المستقبل عبر الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة تُراكم أدواتها وتوسّع قدراتها وتؤهل شبابها وتفتح أبوابها للاستثمار الواعي الذي لا ينهب الموارد بل يضيف قيمة ويبني شراكات طويلة الأمد.
ولذلك فإنّ هذه التحولات لا تخص الحكومة فقط بل هي دعوة لكل مواطن ولكل شاب ولكل مستثمر أن يكون جزءا من هذا المشروع الكبير.
فحين تُعيد الدولة تعريف التنمية وتوسّع أفقها ليشمل الطاقة النظيفة والصناعات الخضراء والبحث العلمي المرتبط بالبيئة، فإنّها تُعيد أيضا تعريف معنى الوطنية في هذا العصر: أن تبني لا أن تستهلك أن تُخطط لا أن ترتجل أن تُضيء الطريق لا أن تسير خلف غيرك.
وباختصار فإنّ مصر لا تدخل عصر الهيدروجين الأخضر فقط كدولة نامية طامحة بل كأمة قررت أن تُصنع مستقبلها بنفسها.