مها عبد القادر تكتب: الحب.. البوصلة الخفية لبناء الإنسان
تتنازع الإنسان قوى متضادة تتجاذبه بين القسوة والرحمة، الكراهية والحب، ورغم هذا الصراع الأزلي، يظل الحب هو البوصلة الخفية لبناء الإنسان والقوة الأعظم التي تحفظ للإنسان إنسانيته، وتمنحه القدرة على أن يبقى نبيلاً وسط ما يعصف به، متماسكًا في وجه الانهيار الأخلاقي ثابتًا حين تتهاوى القيم، فالحب رؤية للوجود وفلسفة في الحياة، وموقف أخلاقي ينم عن وعي راق بالذات والآخر، وحالة من التحقّق الوجودي والتطهر القيمي والانتصار للجانب الأنبل في الإنسان، أنه القوة الوحيدة القادرة على مقاومة الكراهية، وبث نور التسامح في أرجاء النفس، وتربية الروح على الإيثار والرحمة، وغرس الإيمان العميق بأن العالم يصلحه ويحييه التراحم والتجاوز والقبول.
وحين تتملكنا الكراهية، فإننا نؤذي الآخرين وقبلهم نؤذي أنفسنا؛ إذ نسجن ذواتنا في دائرة مغلقة من الرفض والشك والمرارة وتضيق رؤيتنا ويتشوه وعينا وتخبو فينا نوازع الرحمة، وتصبح الحياة ساحة صدام ويغدو الاختلاف خطرًا داهمًا بدل أن يكون ثراء إنسانيًا وفرصة للفهم والنضج، أما حين نحب، فنحن نتسع داخليًا وننفتح على العالم، ونصبح أكثر قدرة على البناء والتقدير والتجاوز، فالحب الحقيقي يسمو فوق الأهواء العابرة ونزعات الأنانية ويعيد تشكيل وعينا.
ويتجلى الحب كقوة خفية تفرز نظامًا معنويًا ينقل الإنسان من مركزية الذات إلى رحابة الوجود، من الخوف والتوتر إلى الأمان والطمأنينة، ويبني رؤية مختلفة للعالم قائمة على القبول، والرحمة، والثقة بجوهره مهما بدا مكسورًا، مشوهًا، أو ناقصًا فهذه الرؤية تؤمن أن في كل إنسان نورًا يستحق أن يكتشف، وأن كل علاقة صادقة ومحبة هي فرصة خلاص وتجربة تعلم، وبوابة نحو إنسان أكثر اكتمالًا، فالحب شجاعة ووعي من خلاله تبنى علاقة الإنسان بالعالم على الاعتراف، والتبادل، والتسامح، إنه مفتاح التربية الأصيلة للتحول الإنساني الحقيقي، ومصدر القوة التي لا تقهر.
ويعد الحب حاجة أساسية للسلام الداخلي والاجتماعي، إنه لغة تتجاوز حدود الكلمات ورسالة يفهمها كل من له قلب، وشعور كوني يتخطى الفروقات، ليصل إلى جوهر الإنسان، حيث تتساوى الأرواح في حاجتها إلى الدفء والقبول والانتماء، وحين يتحرر الإنسان من قسوته ويربى على المحبة، يصبح أكثر قدرة على صناعة الجمال ويؤمن بأن هذا العالم رغم عيوبه وآلامه ما يزال مكانًا صالحًا للحياة، ما دام فيه من يزرع الحب وينشره في كل اتجاه، فالحب حركة دائمة نحو الخير لا يهدأ ولا يتقوقع، يتجاوز ذاته باستمرار ليضيء حياة الآخرين، ويرتقي للحب المتسامي، فيجعل الإنسان يدرك أن وجوده يكتمل بالمشاركة والانفتاح والمحبة، وأن الحياة مسيرة وعيٍ نحو الإنسانية والخلاص الأخلاقي.
ويبدأ الحب بالاحترام والتحرر من القلق والعزلة والانكفاء، لأنه يربط الإنسان بالعالم عبر شبكة وجدانية من التفاعلات، ولذا فإن المجتمعات التي تعلم أبناءها كيف يحبون ويعبرون عن مشاعرهم ويحترمون الآخر، هي الأقدر على صناعة السلم الأهلي، وخفض معدلات العنف والتنمر والتطرف، والصراع الداخلي، فـالحب استراتيجية حضارية لبناء مجتمعات أكثر توازنًا، وهو مدخلًا للتوازن النفسي والنضج الأخلاقي؛ لأن من يحب يعترف بإنسانية الآخر ويمنحه شرعية الحضور ويتصالح مع ذاته، فيشرق الوجود وتغدو العلاقات الإنسانية ساحة للتكامل والارتقاء، ويعاد ترتيب أولويات النفس على أساس الإنصاف والتفهم والقبول والشعور بالأمان والانتماء والتقدير.
ويوجد داخل كل منا ساحة خفية لصراع دائم بين الأنا المتضخمة التي تسعى للسيطرة والذات الرحيمة التي تنشد الفهم والتواصل والسلام، والاختيار بين هاتين القوتين هو ما يصنع الفارق بين إنسانٍ يضيء الطريق بقيمه ونبله، وآخر يضاعف الظلمات بأنانيته وجفائه، وفي زمنٍ تتصاعد فيه النزاعات وتستباح فيه المشاعر وتزداد فيه المسافات بين البشر، تصبح التربية على الحب مسؤولية تربوية وإنسانية كبرى تبدأ من الكلمة الصادقة والنظرة الحانية والموقف النبيل، وتمتد إلى بناء عالم أكثر رحمةً واتزانًا وعدلاً.
وكثيرًا ما يغفل في مناهج التربية الحديثة الجانب الوجداني لصالح التركيز على المعرفة والمهارات ويقل الاهتمام بما يبني الإنسان من الداخل، فتغيب القيم العاطفية التي تسهم في تشكيل الشخصية المتزنة أخلاقيًا ووجدانيًا القادرة على بناء علاقات صحية واتخاذ مواقف أخلاقية مسؤولة، هنا تبرز قيمة الحب التربوية كمبدأ إنساني مؤسس لرؤية متكاملة تقدر الجمال، وتحترم التعدد، وتكرم الاختلاف، وتحتضن الإنسان بكليته.
نحتاج إلى مناهج تربي العقل وتهذب الذوق وتحيي الوجدان ومدارس تجعل من التربية تجربة وجدانية ممارسة وتصبح بيتًا إنسانيًا حقيقيًا، وتتحول العلاقة التربوية إلى علاقة وجدانية متبادلة، قائمة على الاحترام والرعاية والتواصل الفعال، ويستعاد للمعلم دوره مربيًا وموجهًا ومرشدًا، ونحتاج لأُسر تحتضن أبناءها بمحبة ووعي، وتفتح لهم قلوبها ليطلّوا على العالم بعيون منفتحة وقلوب متصالحة، فالحب يخرِج المتعلم من دوائر الأنا إلى رحابة المشاركة الإنسانية وينمي لديه الإيمان بأننا رغم اختلافاتنا شركاء في مصير واحد، وأن نجاتنا في هذا العالم رهن بقدرتنا على التراحم والتآزر، وتنشأ أجيال تؤمن بقيمة الحب والحياة، وتحسن العيش بالعالم وتصنع مستقبلًا مزدهرًا.
ونؤكد أن الحب هو روح التربية ومحركها الرئيس وضمانتها الأخلاقية، فالتربية بلا حب جافة، قسرية، تكرس الخوف والامتثال، وتفرغ العملية التربوية من معناها، أما التربية القائمة على الحب، فتنمي في المتعلم إنسانيته وتهيئه ليكون فاعلًا ومتزنًا، قادرًا على الفهم والتفكير والإبداع، متحملًا للمسؤولية وواعيًا، فالحب هو جوهر الرؤية التربوية المتكاملة التي تجعل الإنسان أكثر اتزانًا، والمجتمع أكثر سلمًا، والعالم أكثر إنسانية كما يفتح الطريق نحو مستقبلٍ أقل عنفًا، وأكثر حكمة؛ مستقبلٍ تنمو فيه القيم، ويعلو فيه صوت الضمير، وتُبنى فيه الحضارات على أساس الرحمة، والعدالة، والكرامة الإنسانية.
فما أحوجنا في ظل هذا الاضطراب العاطفي والاغتراب الوجداني، لإعادة إحياء الحب كقيمة تربوية عليا ترمم الإنسان من الداخل، بحيث يحب ذاته ويحب الحياة ويحترم الآخر ويبني عالمًا أكثر إنسانية واتساعًا، نحتاج لبناء ثقافة حب متسام يعترف بالضعف الإنساني ويستوعب الألم ويفسح المجال للتجاوز والصفح والتسامح والتآلف ويعيد للإنسان قيمته بما يحمل من قدرة على الاحتواء، والرحمة، والمشاركة الوجدانية.