رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

شحاتة زكريا يكتب: عندما يُعيد الاقتصاد تعريف السيادة.. من يملك القرار؟

شحاتة زكريا
شحاتة زكريا

لم تعد السيادة في زمننا الحديث تعني فقط رفع العلم على مبنى حكومي ، أو توقيع قرار داخلي بلا تدخل خارجي. السيادة الحقيقية لم تعد صوتا سياسيا عاليا بل أصبحت اقتصادا صلبا يستطيع أن يقول "لا" حين يكون الرفض مكلفا ويستطيع أن يقول "نعم" حين يكون القرار نابعا من إرادة مستقلة لا تُقايض على المصلحة الوطنية.

في العالم الذي نعيشه اليوم لم تعد الطائرات وحدها تصنع القوة بل ميزان المدفوعات. لم تعد الجيوش وحدها تحمي القرار بل حجم الاحتياطي النقدي ، وقدرة الدولة على تأمين غذائها ودوائها وسياستها دون انحناء.
الاقتصاد هو السيادة الجديدة.
من لا يملك قراره الاقتصادي لا يملك سيادته الكاملة ، مهما علت شعاراته السياسية.

مصر فهمت هذه المعادلة في وقت بالغ الحساسية. لم تكن المعركة فقط في كيفية تحقيق النمو بل في كيف يصبح هذا النمو "درعا" للقرار الوطني. ولهذا تحوّلت بوصلة الدولة من الحديث عن المؤشرات العامة إلى الاستثمار في العمق: الزراعة، والصناعة، والطاقة، والبنية التحتية، والتكنولوجيا.

خذ على سبيل المثال ملف الزراعة. في ظل أزمة الغذاء العالمية أصبحت الزراعة قضية سيادة لا مجرد إنتاج. فتحقيق الاكتفاء من القمح والذرة والزيت واللحوم لم يعد رفاهية اقتصادية، بل مسألة أمن قومي. ومن هنا جاء مشروع "الدلتا الجديدة" و"مستقبل مصر"، وجاء التوسع في إنتاج التقاوي وبناء الصوامع وتحديث طرق الري كجزء من استراتيجية تُعيد تشكيل خريطة الاعتماد الوطني.

وفي ملف الطاقة لم تعد المسألة توفير كهرباء للمنازل فحسب بل بناء مركز إقليمي يضمن نفوذا في أسواق الغاز ومكانة تفاوضية أفضل في محافل القرار العالمي. واليوم تُصدّر مصر الغاز، وتُصدر الكهرباء، وتبني محطات عملاقة، لا لأنها تملك الموارد فقط بل لأنها تريد أن تملك القرار.

أما الصناعة فهي التحدي الأهم والأصعب لكنها أيضا الرهان الأذكى. فدولة بلا قاعدة صناعية تظل مرهونة بمزاج الاستيراد وسعر الصرف ، في حين أن الدولة التي تُنتج تُقرر. ولذا كان التوسع في المناطق الصناعية وتوطين الصناعات الهندسية والدوائية والغذائية هدفًا يتجاوز الاقتصاد ليطال عمق السيادة.

ولأننا نعيش في عالم تقوده المؤسسات الاقتصادية الكبرى، فإن الدول التي لا تملك أوراقا قوية على الطاولة ، تجد نفسها محكومة بالاختيارات المفروضة. ولعل ما جرى خلال المراجعات المتتالية مع صندوق النقد الدولي يؤكد هذه الحقيقة. فحين بنت مصر مشروعاتها وقلّصت فجوتها التمويلية ووسّعت شراكاتها مع الصين والهند ودول الخليج، تغيّر شكل التفاوض وتبدلت نبرة الشروط.

إن الدولة التي تُعيد تعريف السيادة لا تُشهر سلاحها بل تُشهِر دفتر حساباتها. تقول: "نعم، نحن نُدير إصلاحا صعبا لكنه إصلاح من الداخل نابع من رؤية وطنية لا وصفة جاهزة.
والأهم أنها تُدرك أن القرار الوطني لا يُحمى بالرفض فقط بل بالبدائل. فالمعادلة ببساطة: كلما زادت البدائل زادت مساحة القرار.

والسؤال الأهم: من يملك القرار في هذه اللحظة؟
الواقع يقول إن من يملك غذاءه، ودواءه، وطريقه، وطاقته، ومصانعه، ومياهه، هو من يملك القرار.
السيادة لم تعد مجرد مادة دستورية بل خطة إنتاج واستثمار ، ومخزون استراتيجي ، وشبكة علاقات تجارية متنوعة وقدرة على التكيّف مع الأسواق دون الانكسار أمامها.

مصر لم تُكمل طريقها بعد لكنها وضعت قدمها على الأرض الصلبة. وهناك فارق كبير بين من يسير على جسر من التصريحات ، ومن يخطو فوق إنجازات حقيقية. والتحدي القادم ليس فقط في استكمال البناء بل في تثبيت عقلية السيادة الجديدة: أن كل مشروع إنتاجي هو قرار سيادي وأن كل فدان يُزرع هو متر مربع من الاستقلال وأن كل مصنع يُفتح هو حجر إضافي في جدار القرار.

نحن أمام لحظة فارقة تُكتب فيها السيادة بلغة الاقتصاد وتُختبر فيها إرادة الشعوب عبر قدرتها على الإنتاج لا فقط عبر الهتاف. ومن هنا تُصبح المعركة الحقيقية ليست في من يعلو صوته بل في من يستطيع أن يعيش واقفا دون أن يمدّ يده ولا أن يخفض رأسه.

تم نسخ الرابط