مبادلة الديون بين القاهرة وبكين.. هل بدأ عصر الشراكة الاستراتيجية الكبرى؟
احتلت مصر مكانة مميزة لدى الصين خاصة بعد اتفاقية مبادلة الديون، في مشهد يعكس عمق العلاقات الاستراتيجية بين القاهرة وبكين، وتصدرت مصر واجهة التعاون الدولي مع الصين خلال زيارة رسمية رفيعة المستوى لمسئولي بكين إلى القاهرة.
وسط أجواء من التقدير المتبادل، وقعت القاهرة وبكين مجموعة من الاتفاقيات النوعية التي تمهد لمرحلة جديدة من الشراكة المتوازنة، حيث لم تعد مصر مجرد طرف في المعادلة، بل شريك رئيسي في صياغة رؤى تنموية طموحة تمتد لسنوات مقبلة.
بدأت الاتفاقيات الرسمية بين البلدين، عندما وقّع حسن عبد الله، محافظ البنك المركزي المصري اليوم الجمعة، مذكرة تفاهم مع نظيره الصيني بان قونغ شنغ، والتي تهدف إلي تعزيز التعاون المالي والتجاري بين البلدين باستخدام العملات المحلية في تسوية المعاملات، وهو ما يمثل تحركًا مهمًا نحو تقليل الاعتماد على الدولار وتعزيز الشراكة الاقتصادية بين البلدين.

وجاء هذا التوقيع بالتزامن مع زيارة رسمية لرئيس مجلس الدولة الصيني، لي تشيانغ، إلى القاهرة، حيث شهد مراسم التوقيع الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، وعدد من كبار المسؤولين في البلدين، ما يعكس اهتمامًا رسميًا على أعلى المستويات بدعم العلاقات الثنائية.
وتتضمن مذكرة التفاهم بين البنكين المركزيين إطارًا متكاملًا للتعاون يشمل تعزيز الاستثمارات المباشرة، ودعم تبادل المعلومات والخبرات الفنية، وتطوير الكوادر البشرية في مجالات السياسة النقدية، والدفع الإلكتروني، والعملات الرقمية للبنوك المركزية، بالإضافة لللتأكيد على أهمية تعزيز التواجد المتبادل للبنوك الصينية والمصرية داخل الأسواق في كلا البلدين، بهدف تسهيل تدفقات الاستثمار والتجارة.
هذا الاتفاق يعكس رؤية مصر المستقبلية في التحول إلى اقتصاد أكثر تنوعًا واستقلالًا، خاصة بعد انضمامها إلى مجموعة "بريكس" في بداية عام 2024، والتي تتبنى سياسات داعمة لتقليل الاعتماد على العملات الأجنبية في التسويات التجارية بين الدول الأعضاء،ومن بينها شريكها الأساسي وهي “الصين”

دفعة جديدة للعلاقات التنموية المشتركة.. 5 وثائق تعاون
وفي سياق متصل، وقّعت الدكتورة رانيا المشاط، وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، خمس وثائق تعاون تنموي جديدة مع الجانب الصيني، في مقدمتها مذكرة تفاهم حول أول استراتيجية للتعاون الإنمائي بين البلدين للفترة من 2025 إلى 2029.
وتهدف الاستراتيجية الجديدة إلى دعم جهود التنمية المستدامة في مصر، من خلال مشروعات مشتركة تركز على مجالات الصحة، والتغير المناخي، والاقتصاد الرقمي، والتعليم، وتوطين الصناعة، بما يتماشى مع رؤية مصر 2030 ومبادرة التنمية العالمية (GDI) التي تقودها الصين.
كما شملت الاتفاقيات توقيع "الاتفاق الإطاري للمرحلة الأولى من برنامج مبادلة الديون" بين مصر والصين، وهو أول اتفاق من نوعه تبرمه الوكالة الصينية للتعاون الإنمائي الدولي مع دولة شريكة لها، ما يعكس ثقة بكين في الاقتصاد المصري وقدرته على تنفيذ نماذج تمويل تنموية مبتكرة.
منظومة الأطراف الصناعية في مصر بقيمة 1.52 مليون يوان صيني
ضمن بنود التعاون، تم توقيع اتفاق لتنفيذ مشروع تطوير منظومة الأطراف الصناعية في مصر بقيمة 1.52 مليون يوان صيني، ويستهدف المشروع تحويل مصر إلى مركز إقليمي لتصنيع وتوزيع الأجهزة التعويضية وفقًا لأحدث المعايير الدولية.
كما تضمنت الاتفاقيات إنشاء معمل سلامة حيوية من المستوى الثالث، بما يعزز قدرة مصر على التعامل مع الأمراض المعدية عالية الخطورة، في خطوة مهمة لتعزيز منظومة الأمن الصحي والبحث العلمي في البلاد.

وفي مجال تنمية القدرات البشرية، وقّعت وزيرة التخطيط الدكتورة رانيا المشاط مذكرة تفاهم للحصول على 2000 فرصة تدريبية مقدمة من الصين لموظفي الحكومة المصرية خلال الفترة من 2025 إلى 2027، تشمل برامج ثنائية ومتعددة الأطراف.
الدولة المصرية تمتلك خبرة واسعة في برنامج مبادلة الديون
من جانبها، أكدت الدكتورة رانيا المشاط أن هذه الخطوة تمثل دفعة استراتيجية للعلاقات بين مصر والصين، مشيرة إلى أن الوثائق الموقعة تعكس تنفيذًا عمليًا لاتفاق الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي وقعتها قيادتا البلدين عام 2014.
وأشارت إلى أن مصر تمتلك خبرة واسعة في برامج مبادلة الديون، والتي نجحت في تنفيذها من قبل مع دول كإيطاليا وألمانيا، بما تتجاوز قيمته 900 مليون دولار، لافتة إلى أن مصر تستفيد من تلك التجربة في صياغة اتفاقات مماثلة مع شركاء جدد.



