شحاتة زكريا يكتب.. رسالة من الدخان: رمسيس يوقظ الذاكرة الرقمية
في لحظة خاطفة تحوّل سنترال رمسيس إلى عنوان رئيسي على كل الشاشات.. حريق اندلع في قلب القاهرة لكنه لم يلتهم فقط جدران مبنى بل أوقد نقاشا وطنيا واسعا حول حاضرنا الرقمي وحدود جاهزيتنا في عالم يتسارع نحو المستقبل.
ما حدث لا يُمكن أن يُختزل في مشهد لهب ونيران، بقدر ما هو تذكير قاس بأن الدولة الحديثة لم تعد تقف على المباني ولا المؤسسات فقط، بل على شبكة معلومات مترابطة هي بمثابة أعصاب الدولة وروحها.
وفي ظل ما شهدته البلاد من انقطاع مؤقت للخدمات الرقمية والاتصالات كان لزاما أن نسأل: إلى أين وصلنا؟ وما الذي أنجزناه؟ وما الذي لا يزال في حاجة إلى مراجعة؟
الحق أن مصر قطعت شوطا كبيرا في بناء بنية تحتية رقمية ضخمة خلال السنوات الأخيرة.
تمضي بثبات في مشروع التحول الرقمي وبدأت تُصدّر نماذجها في ميكنة الخدمات الحكومية ، وتوسيع رقعة المدن الذكية وتعزيز استخدام الذكاء الاصطناعي في بعض القطاعات الحيوية.. وهذا كله جهد يُحسب للدولة ومؤسساتها ويعكس رغبة واضحة في مواكبة روح العصر وتحدياته.
لكن كما أن التقدم لا يكتمل إلا بوعي بالمخاطر فإن ما جرى في سنترال رمسيس – رغم السيطرة السريعة عليه – أعطى جرس إنذار لا ينبغي تجاهله.
الحادث أظهر لنا أن المساحات الرقمية رغم قوتها تحتاج إلى خطط بديلة،ط وسيناريوهات طوارئ مدروسة ، ونقاط ارتكاز غير مركزية تضمن استمرار الخدمة تحت أي ظرف.
وهذا ليس ضعفا بل أمر طبيعي في مسار بناء أي دولة حديثة ، أن تعيد مراجعة البنية كلما صادفت اختبارا أو أزمة وتحوّل كل تجربة إلى فرصة للتطوير.
الجميل في المشهد أن المصريين لم يتعاملوا مع الأمر بهلع بل بتفهُّم وواقعية وهو ما يُشير إلى نضج شعبي في التعامل مع الأزمات خاصة حين يشعر المواطن أن الدولة موجودة، وأن التواصل مستمر والإجراءات تُتخذ في وقتها.
كما لا يمكن تجاهل الدور البطولي لرجال الحماية المدنية والقيادات الميدانية التي تعاملت باحترافية مع الحادث وأثبتت أن لدينا كوادر قادرة على حماية الأرواح والمنشآت حتى في الظروف الأصعب.
كذلك كان لافتًا الأداء السريع لبعض الشركات والبنوك في تفعيل خطط الاسترداد (DRP) واستعادة الخدمات مما يُظهر أن هناك جهودا مبذولة فعليا ، وربما تحتاج فقط إلى مزيد من الدعم والتوسيع.
ما نحتاجه الآن هو البناء على ما جرى لا إنكاره ولا تضخيمه.
نحتاج إلى تطوير منظومة تأمين المراكز الرقمية ومضاعفة الاعتماد على الحوسبة السحابية الوطنية ، وتحديث خطط الطوارئ باستمرار بما يضمن عدم تأثر الحياة اليومية لأي مواطن حتى لو توقف مركز أو تعطل جزء من المنظومة.
وفي منطقة تموج بالتغيرات والتحديات من حروب رقمية إلى تهديدات سيبرانية فإن امتلاك أدوات الردع المعلوماتي والتأمين الشامل ، بات ضرورة وطنية لا تقل عن أي استثمار آخر.
فالحريق الذي شبّ في رمسيس، قد ينطفئ في ساعات لكن رسالته يجب أن تبقى في وجداننا الإداري والمؤسسي لفترة طويلة، لأنه ببساطة.. أشعل النقاش حول مستقبل دولتنا الرقمية.