"داعش" يخطط لهجوم واسع: حملة عسكرية مرتقبة للتحالف و"قسد" بمعزل عن دمشق
في ظل تصاعد التحذيرات الأمنية من خطر تنظيم "داعش" على سوريا والمنطقة، أعلنت قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة عن قرب انطلاق حملة عسكرية واسعة ضد التنظيم الإرهابي، بالتعاون مع قوات سوريا الديمقراطية "قسد" دون التنسيق مع سلطات دمشق. هذه التطورات تعكس تعقيدات سياسية وعسكرية جديدة، وتسلط الضوء على حجم التهديد الذي يمثلّه التنظيم، رغم اختلاف مصالح الأطراف المتصارعة.
تحذيرات متزامنة وخطر متصاعد يهدد الاستقرار السوري
في خطوة جاءت متزامنة مع إعلان التحالف الدولي، كشفت مصادر حكومية سورية عن معلومات استخباراتية تؤكد أن تنظيم "داعش" يخطط لهجوم عسكري واسع ومتزامن يبدأ من مدينة حمص، يستهدف السيطرة على أحياء استراتيجية في مدن رئيسية مع استهداف أماكن عبادة ومقامات دينية، في محاولة لإرباك الوضع الأمني وتشويه صورة الحكومة السورية.
وفي تصريحات لـ"رويترز"، قال قائد قوات التحالف الدولي اللواء الأمريكي كيلفن سي ليهي، إن خطر "داعش" يتزايد، وأن التحالف يستعد لشن حملة عسكرية كبيرة بالتعاون مع "قسد" في الصحراء السورية. وأضاف أن موعد انطلاق العملية سيُعلن قريباً.
الكاتب والباحث السوري مالك الحافظ أكد في حديث مع "إرم نيوز" أن الخطر الحالي الذي يشكله "داعش" حقيقي وغير تقليدي، إذ يعتمد التنظيم حالياً على استراتيجية "الإنهاك والاستنزاف" التي تستند إلى الضربات الخاطفة، والكمائن، وتحقيق أكبر قدر من الخسائر في صفوف الخصوم دون الحاجة إلى السيطرة الإدارية الكاملة، وهو ما يختلف عن مراحل سيطرته السابقة.
وأوضح الحافظ أن مناطق البادية الممتدة بين حمص ودير الزور مروراً بريف الرقة تمثل البيئة المثالية لتحرك خلايا التنظيم، لافتاً إلى أن ضعف السيطرة الأمنية المركزية يُسهل حركة التنظيم ويمنحه هامشاً كبيراً للتحرك.
تعاون محدود مع دمشق.. و"قسد" الخيار العسكري الأول
رغم التحذيرات السورية والتحالفية المتزامنة، لا تبدو هناك نية واضحة للتنسيق المباشر بين قوات التحالف وحكومة دمشق، حيث أعلن التحالف أنه سيُنفذ حملته العسكرية القادمة بالتعاون مع "قسد" فقط، ما يعكس التوترات السياسية وغياب الثقة بين الأطراف.
مالك الحافظ يفسر هذا الانفصال قائلاً إن التعاون مع "قسد" يوفر للتحالف مزايا عدة، أبرزها الكفاءة والفعالية الميدانية، حيث تمتلك "قسد" خبرة واسعة في مكافحة تنظيم "داعش" خلال السنوات الماضية، بالإضافة إلى قدرتها على التحرك في جغرافيا معقدة وصعبة، علاوة على التنسيق الوثيق مع الاستخبارات الأمريكية.
لكن هذا الخيار يحمل أيضاً رسائل سياسية ضمنية مفادها أن التحالف لا يرغب حالياً في إعادة الاعتراف أو الانخراط في شراكة أمنية أو سياسية مع حكومة دمشق، والتي يعاني الجيش التابع لها من ضعف في الهيكلة والولاءات، ما يثير مخاوف من انشقاقات أو ولاءات مزدوجة.
هشاشة الجيش السوري الجديد وانعدام الثقة الأمريكية
الكاتب والباحث يرى أن تشكيلات الجيش السوري الجديدة، التي تضم عناصر من خلفيات متباينة، بينها مقاتلون سابقون في جماعات جهادية، تفتقر إلى الاحترافية العسكرية وتفتقد الولاءات الموحدة. ويضيف أن وجود عناصر ذات نزعة انتقامية واستخدام خطاب متشدد، قد يضعف الرواية الأمنية المضادة لتنظيم "داعش"، ويهدد نجاح المعارك الأمنية ضد التنظيم.
المحلل السياسي الأردني صلاح ملكاوي يؤكد أن الوضع مختلف تماماً عن سابقه، مشيراً إلى غياب التنسيق الكامل حتى الآن بين التحالف الدولي وحكومة الشرع المؤقتة في دمشق، والتي لا تزال في مرحلة التأسيس المؤسسي والعسكري والاستخباراتي.
ويشير ملكاوي إلى أن التحالف يفضل الاعتماد على "قسد" التي تملك بنية عملياتية جاهزة، وغرف عمليات، ووحدات تدخل سريع، ونظام تواصل فعال منذ 2014، بالإضافة إلى نجاحاتها الميدانية، مقارنة بالتشكيلات الجديدة في دمشق التي تحتاج إلى مزيد من الوقت لإعادة الهيكلة والتطهير الأمني.
"داعش" يستعيد نشاطه: الأعداد ومناطق التمركز
تشير تقديرات أمنية إلى أن تنظيم "داعش" يضم حالياً نحو 2500 عنصر في البادية السورية، وهو ما يشكل العمود الفقري لتنظيمه في البلاد، إلى جانب انتشار نحو 500 إلى 750 عنصرًا في ريف دير الزور. ويستغل التنظيم الفراغ الأمني الذي خلفه سقوط النظام في مناطق نفوذه ليعيد تمركزه ويعيد تنظيم صفوفه، ما يزيد من قدرة تحركاته وتهديداته.
وتتركز خلايا التنظيم اليوم في مناطق واسعة تمتد بين بادية حمص الشرقية (تدمر، السخنة، أراك)، وجنوب الرقة وغرب دير الزور، إضافة إلى مناطق الحدود السورية-العراقية التي يستخدمها التنظيم للتهريب وعبور القيادات.
كما يحتفظ التنظيم بخلايا نائمة في ريف حلب الشرقي وريف درع الغربي، ما يجعل هذه المناطق نقاط توتر عالية قابلة للانفجار في أي لحظة.
يبدو أن تنظيم "داعش" يعيد ترتيب أوراقه، مستغلاً الانقسامات السياسية والفراغ الأمني في سوريا. بينما تبقى خيارات التحالف الدولي محدودة ومحكومة بالاعتبارات السياسية، فإن التهديد الإرهابي لا يزال قائماً، يتطلب يقظة مستمرة وتنسيقاً أمنياً فعّالاً بين كافة الأطراف المعنية، لإنهاء هذه الأزمة التي تهدد استقرار سوريا والمنطقة ككل.