مأساة حقيقية تتجاوز كل الأرقام.. غزة بين نار الحرب وموجات التضليل
في قلب قطاع غزة، حيث تتساقط القنابل وتنهار المباني، يعيش أكثر من مليوني فلسطيني بين ركام الحرب والحصار. منذ أكتوبر 2023، تحولت المدينة إلى ساحة معركة مدمّرة، ليست فقط بين نيران القصف الإسرائيلي والهجمات المتواصلة، بل بين حقيقة مروعة وأكاذيب تضليلية تُضاف إلى جراح أهلها.
يواجه الفلسطينيون اليوم عدوين متوازيين: الأول واضح متمثل في الطائرات والدبابات، والآخر غير مرئي يعبث بالذاكرة والحقيقة عبر موجات متواصلة من التضليل الإعلامي والبيانات المغلوطة. وبين هذا وذاك، يتلاشى صوت الضحايا وسط صخب الأكاذيب، فتتوه معاناة الملايين بين الحقيقة والخيال.
في الأسابيع الأخيرة، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي روايات تحمل رقمًا صادمًا: "اختفاء أكثر من 400 ألف فلسطيني من غزة". هذا الرقم ضُخّم ونُسب زورًا إلى جامعة هارفارد، مما دفع آلاف المستخدمين إلى تصديق أن قطاع غزة يواجه ما يُسمى "الهولوكوست الجديد". ما بدا كخبر مُذهل وسلاحًا سياسياً، كان في حقيقة الأمر وهمًا كبيرًا.
الدراسة المضللة: بين الحقيقة والتحريف
تبيّن بعد تحقيقات دقيقة أن الرقم 377 ألف مفقود جاء من دراسة منشورة على منصة “هارفرد داتافيرس”، وهي منصة لأبحاث غير رسمية لا تخضع لمراجعة جامعة هارفارد نفسها. الباحث الذي أعد الدراسة هو ياكوف غارب من جامعة بن غوريون الإسرائيلية، ولم يتناول بحثه عدد المفقودين أو القتلى، بل ركّز على تحليل توزيع المساعدات الإنسانية عبر خرائط الكثافة السكانية في غزة.
الرقم المثير للجدل استُنتج عبر مقارنة عدد السكان في أحياء معينة قبل وبعد بدء القصف، دون الأخذ بعين الاعتبار النزوح الداخلي الواسع وتدمير المنازل والبنى التحتية. الباحث نفسه خرج ليُحذّر من استغلال بياناته بشكل سياسي مضلل، واعتبر ذلك "تسييسًا ضارًا يبعد الانتباه عن الأزمة الإنسانية الحقيقية".
لكن، رغم فضح هذه المزاعم، لا يعني ذلك أن الواقع أقل قسوة. الواقع أبشع بكثير.
مأساة إنسانية بلا هوادة
وفق دراسات ميدانية وأبحاث مهنية، مثل دراسة نشرتها مجلة The Lancet البريطانية في منتصف 2024، بلغ عدد القتلى في غزة نتيجة العدوان الإسرائيلي أكثر من 64 ألف ضحية، مع غالبية من النساء والأطفال وكبار السن. هذه الأرقام، استندت إلى تقنيات إحصائية دقيقة جمعت بيانات من مصادر متعددة، وأظهرت أن الأرقام الرسمية تقلل من حجم المأساة بنسبة 41%، بسبب انهيار منظومة التوثيق والمراقبة في القطاع.
وليس القتل فقط هو القصة، بل الدمار الذي أصاب البنية التحتية، وانهيار الخدمات الصحية، ونقص مياه الشرب، ونزوح أكثر من 85% من السكان داخل وخارج القطاع. كل ذلك يؤكد أن غزة تواجه كارثة إنسانية غير مسبوقة في تاريخها الحديث.
تضليل يكسر تضامن الضمير
المأساة، بدلاً من أن تُروى بصدق وبحس إنساني، تُستغل في حملات تضليل وتشويه تتنافس فيها الأطراف السياسية على توظيف المعاناة الفلسطينية كأداة في صراعات سردية معقدة. هذا التضليل لا يضر فقط بالمصداقية، بل يضعف التضامن الدولي ويشوّه حقوق الفلسطينيين، في وقت هم بأمس الحاجة إلى الدعم الحقيقي والإنساني.
إن تصوير الأزمة بأرقام ملفقة ومعلومات مغلوطة يخلق حالة من التشويش، تُبعد الناس عن فهم عمق الكارثة التي يعيشها شعب بأكمله، يعيش الموت والدمار في كل لحظة.
الحقيقة كضرورة إنسانية
ما يجري في غزة اليوم ليس بحاجة إلى أرقام مزيفة أو روايات مبتدعة. الصور التي تصل من رفح وخان يونس وجباليا تحمل في طياتها قصة مأساة حقيقية لا تقبل التزييف. مدارس تُقصف، مستشفيات تُدمر، أطفال يموتون من الجوع والبرد، وأسرة بأكملها تنهار تحت ثقل الألم.
في هذه اللحظة الحرجة، تقع على عاتق الإعلاميين، وصنّاع الرأي العام، والناشطين مسؤولية أخلاقية ومهنية كبيرة في نقل الواقع بموضوعية. لا مجال للمبالغات ولا للتهوين، بل للوفاء بحقائق تحترم الضحايا وتخدم قضيتهم الإنسانية دون تشويه.
القضية الفلسطينية تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى نقل الحقيقة كما هي: مأساة إنسانية تتطلب وقفة ضمير حقيقية، لا مزيداً من الأكاذيب التي تعمّق الجراح.